تقارير

فساد الكيزان في سوداتل

🟦 منذ البداية، لم تكن «سوداتل» مجرد مشروع اتصالات وطني، بل تحولت سريعًا إلى صندوق أسود للتمويل السياسي وشبكة لتدوير الأموال في يد الإسلاميين.
🟦 هذا المسار لا يتضح فقط من روايات المعارضين أو اتهامات الشارع، بل من وثائق مالية وتسريبات دولية – مثل «أوراق باندورا» – التي كشفت عن الطريقة التي سيطر بها رجال مقربون من البشير على الشركة وحولوها إلى ذراع استثمارية خاصة، رغم أنها مملوكة للقطاع العام.
✅ من شركة عامة إلى ذراع حزبي
🟦 أُنشئت «سوداتل» بأموال من وزارة المالية عام 1993، ومنذ بداياتها، لم تعتمد سوداتل على المنافسة النزيهة أو الكفاءة الاقتصادية، بل على سطوة الدولة التي وضعتها في موقع احتكاري مميز. فقد حصلت على رخصة الهاتف المحمول مجانًا.
🟦وكان يفترض أن تخضع للقانون باعتبارها شركة عامة. لكن سرعان ما أُدخلت إلى منظومة «الأمن الشعبي»، حيث جرى توظيف عائداتها لدعم جهاز ظلّ خارج سيطرة الدولة. ومع مرور الوقت، صارت الشركة تُدار من قيادات ذات خلفية أمنية وحزبية، فاختفت الشفافية، وغابت الجمعية العمومية عن القرارات المصيرية.
🟦 ولم يكن اختيار القيادات في «سوداتل» يومًا معزولًا عن السياسة أو الصراع على النفوذ. أحد أبرز الأمثلة هو المهندس عماد الدين حسين، الذي تولى منصب الرئيس التنفيذي للشركة بعد أن كان مديرًا في جهاز الأمن الشعبي، الجهاز السري التابع للحركة الإسلامية سيئة السمعة، والمعروف بدوره في القمع والتعذيب وإدارة العمليات السرية خارج القانون
✅ «إكسبريسو» والملاذات الخارجية
🟦 في تقريرها لعام 2009 أكدت «سوداتل» أنها تملك 100% من أسهم «إكسبريسو القابضة»، الذراع الخارجية التي تدير استثماراتها في موريتانيا والسنغال وغانا ونيجيريا. لكن في العام التالي باعت 25% من هذه الأسهم لشركة «لاري كوم» مقابل 12 مليون دولار فقط. السؤال الذي دوّى في قاعة المساهمين: من يملك «لاري كوم»؟
🟦 التحقيقات الدولية أثبتت أن المالكين الفعليين هما عبد الباسط حمزة –رجل أعمال مقرب من الرئيس المخلوع عمر البشير– وعبد العزيز عثمان، رئيس مجلس إدارة سوداتل نفسه. أي أن الشركة العامة باعت جزءًا من أصولها لشركة خاصة يملكها من يديرها، في تضارب مصالح فاضح
🟦 12 مليون دولار لا تعكس بأي حال حجم الاستثمارات التي ضختها سوداتل في تلك الأسواق. ففي نيجيريا وحدها دفعت 60 مليون دولار للاستحواذ على 70% من «إنترسيلولار» عام 2009. أما في موريتانيا والسنغال وغانا فبلغت استثماراتها عشرات الملايين لبناء شبكات البنية التحتية. كيف يُقيَّم إذن ربع «إكسبريسو» بهذا السعر المتدني؟
🟦 ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ سُجّلت في جزر العذراء البريطانية شركة تحمل نفس الاسم «لاري كوم»، بشراكة بين حمزة ورئيس مجلس إدارة سوداتل عبد العزيز عثمان، ما يمثل تضاربًا صارخًا في المصالح.
✅ صفقة نيجيريا و«فساد القرن»
🟦 القمة كانت في نيجيريا. ففي 2009 استحوذت سوداتل عبر «إكسبريسو» على 70% من «إنترسيلولار نيجيريا» بصفقة بلغت 60 مليون دولار. لكن بعد عام واحد فقط، بدأت الحصة تتآكل: فقد باعت «إكسبريسو» 17.5% إلى «لاري كوم»، ثم 30% إضافية مطلع 2010. النتيجة: خسرت سوداتل السيطرة على الشركة، وارتفع عجزها المالي إلى 189 مليون دولار. هنا انفجر المساهمون في اجتماع مايو/أيار 2011 وهم يصرخون: «لاري كوم بتاعة منو؟». الصحف وصفت الحادثة بأنها «فساد القرن»، بينما ظلّت الهياكل المالية المعقدة تحجب المستفيدين الحقيقيين.
✅ الزوايا وموبتيل.. استثمارات منهوبة
🟦 لم تكن «نيجيريا» إلا محطة واحدة. فشركة «الزوايا» التي أسسها حمزة وشركاؤه امتلكت شركات أخرى مثل «رام للطاقة» و«لاري كوم»، وحصلت على امتيازات هائلة. أما «موبيتيل» – شقيقة سوداتل – فقد بيعت إلى شركة «زين» الكويتية بقيمة تقلّ عن 10% من قيمتها الحقيقية، بحسب لجنة إزالة التمكين. كانت أرباحها اليومية تصل إلى خمسة ملايين دولار، لكنها خرجت من يد الدولة إلى استثمارات خاصة مرتبطة بالنظام.
✅ سقوط البشير وكشف المستور
🟦 بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، كان من المتوقع أن تخضع «سوداتل» لمراجعة شاملة باعتبارها أحد أكبر أوكار الفساد ونهب المال العام. لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا: وُضعت الشركة تحت حماية اللواء إبراهيم جابر، أحد ضباط الجيش المحسوبين على تيار الكيزان، والذي أصبح لاحقًا عضوًا في مجلس السيادة ثم من أبرز أعضاء المجلس العسكري الذي قاد انقلاب أكتوبر 2021.
🟦 عمليًا، لم يكن تعيين جابر على رأس ملف «سوداتل» لإصلاحها أو كشف ملفاتها، بل لحمايتها من المساءلة القانونية والرقابة الشعبية، وضمان استمرار شبكة المصالح التي تربطها بقيادات عسكرية وسياسية نافذة
🟦 وتحركت لجنة إزالة التمكين لتجميد أصول «الزوايا» و«لاري كوم»، مؤكدة أن مليارات الدولارات جرى تدويرها في الخارج ولم يعد منها سوى القليل. وفي الوقت نفسه، أدين عبد الباسط حمزة بالسجن عشر سنوات بتهم الكسب غير المشروع وغسل الأموال وتمويل الإرهاب. لكن الجزء الأكبر من الشبكة الاستثمارية ظلّ غامضًا، إذ تشير الوثائق إلى أن الأموال ضاعت في ملاذات ضريبية خارجية.
✅ فساد الكيزان الرمم
🟦 قصة «سوداتل» هي صورة مصغرة لفساد دولة سيطر عليها الكيزان: تحويل مؤسسات عامة إلى صناديق حزبية، تغليف الصفقات بواجهات قانونية وشركات أوفشور، تدمير القيمة الحقيقية للاستثمارات الوطنية، وإفقار المساهمين والدولة لصالح قلة مرتبطة بالبشير. ليست مجرد فضيحة مالية، بل درس مرير في كيف يُختطف الاقتصاد الوطني حين يذوب القانون أمام تحالف المال والسلطة.

زر الذهاب إلى الأعلى