


#روما، ✍️ رضوان علي الحسن🇮🇹
#كرة #القدم لعبة. لكنها على شاشة السينما تتحول إلى مرآة لتاريخ الشعوب وصراعاتها وطموحاتها.
وأفلام روائية ووثائقية تكشف كيف تحول المونديال من ملعب إلى ساحة حرب وهوية وسلطة. من حرب فوكلاند إلى منفى التبت، ومن فساد الفيفا إلى دموع الانكليز، تروي هذه الأعمال قصصا لا تظهر في النقل التلفزيوني المباشر.
#مارادونا.. يد الله وسيف الوطن
قبل مونديال 1986 بسنتين، كانت الارجنتين تخوض حرب فوكلاند ضد انكلترا. جنود يموتون على جزر لا يعرفها أحد. ثم جاءت المكسيك، وجاءت المباراة، وجاء دييغو مارادونا.
ففيلم “المباراة” (2026) لا يصور المباراة فحسب. يصور مارادونا ابن الضاحية الفقير الذي حمل بلدا على كتفيه. سجل هدفا بيده ووصفه بـ”يد الله”. سجل بعده هدفا بالقدم لا يصدق. سئل فقال: “قليلا برأس مارادونا، وقليلا بيد الله”. لم يعتذر. لم يقل أخطأت. قال انتقمت.
والفيلم يعرض في مهرجان كان هذا العام. يبدأ من جزر فوكلاند، من أكثر من مئتي عام من التوتر، ليعيد تعريف معنى الانتقام الرياضي.
#انكلترا.. من عار الحمير إلى دموع غاسكوين
على الضفة الأخرى من المحيط، بلد آخر كان يحاول التعافي.
في مونديال 1990، لم تكن انكلترا تبحث عن كأس. كانت تبحث عن كرامة مسروقة. تحت حكم مارغريت تاتشر، يعصف بالبلاد كساد وأعمال شغب. المشجع الانكليزي وصمة، والكرة الانكليزية كلمة مدانة. حتى وزير الرياضة حرض الشرطة الايطالية على التشدد مع قادمين من بلاده.
وفيلم “ليلة في تورينو” يروي كيف حولت ستة أسابيع منتخبا وصف بـ”الحمير” إلى أيقونة قومية. بدأوا بتعادل مع ايرلندا وانتقادات لاذعة، ثم تأهلوا إلى نصف النهائي. بول غاسكوين بكى حين تلقى بطاقة صفراء حرمته من خوض النهائي. انكلترا بكت معه. خسارة بركلات الترجيح امام المانيا لم تكن نهاية مأساوية، بل بداية تحول. بعدها بسنوات، ولد الدوري الممتاز وتغيرت الكرة الانكليزية إلى الابد.
#المكسيك 86.. رشوة اسمها كأس عالم
وقبل بناء الملعب، وقبل صافرة البداية، هناك مفاوضات لا تقل شراسة عن أي مباراة.
ففيلم “المكسيك 86” يفضح تلك المفاوضات. دييغو لونا يؤدي دور مارتين دي لا تورا، موظف صغير ماكر يتفوق على هنري كيسنجر. كيف؟ بطرق لا تختلف عن صفقات النفوذ في العالم الثالث: رشاوى، عقود تلفزيونية، شبكة علاقات تحرك كل شيء من الخلف.
والفيلم يعرض الان على نتفليكس. توقيته ممتاز، فالمكسيك تستضيف المونديال مجددا بعد 40 عاما، وبالشراكة مع الولايات المتحدة نفسها التي كانت منافستها على استضافة 1986.
واللافت أن الفيلم يتعامل مع التاريخ بأسلوب كوميدي ساخر. حتى زلزال 1985 الذي قتل 12 الف مكسيكي لم يمنعهم. بل حولوه إلى فرصة: نظموا احتفالا مسرحيا بجمهور مدفوع الاجر ليظهروا عزيمتهم. كسبوا الرهان. وخسروا كل شيء لاحقا.
رهبان تبت يشاهدون النهائي.. والقضية وجود
كأس العالم لا يحكي فقط عن امم تحضر، بل عن تلك التي لا تملك حق الحضور اصلا.
وفيلم “الكأس” للمخرج التبتي خيينتسي نوربو هو واحد من ارق الاعمال عن المونديال. رهبان بوذيون في منفى بشمال الهند، يعيشون في دير منذ الاحتلال الصيني عام 1959. شبان فقدوا وطنهم. في هذا السياق، تصبح رغبتهم في مشاهدة نهائي 1998 بين فرنسا والبرازيل أكثر من مجرد هوس رياضي. انها لحظة انتماء إلى عالم لا يعترف بوجودهم سياسيا.
فالفيلم بفكاهة بريئة لا يصنع صراعا مأساويا بين التقاليد والحداثة. يظهر اناسا حقيقيين يضحكون ويتحايلون لاستئجار تلفزيون. هذه هي القضية الحقيقية: حتى الرهبان يحلمون بالمونديال.
#كوريا الشمالية.. سر ظل 40 عاما
لعل اطرف ما فعله كأس العالم انه صنع سرا لم تستطع دولة اخفاءه إلى الابد.
وفيلم “مباراة حياتهم” هو فيلم وثائقي لمخرج بريطاني دخل إلى كوريا الشمالية. لم يذهب لينتقد النظام او يمجده. ذهب ليروي قصة منتخب بلاده في مونديال 1966، وقت ذروة الحرب الباردة.
واللاعبون السبعة الذين اعادهم الفيلم إلى مدينة ميدلزبره الانكليزية الصغيرة حملوا في وجوههم العجوز ذاكرة فرح خالص. في 1966، هزموا ايطاليا 1-0 وبلغوا الدور ربع النهائي، مسجلين اول تقدم آسيوي في تاريخ البطولة. ثم خسروا امام البرتغال. هذه الخسارة ظلت سرا رسميا في بلادهم لسنوات. لم يخبرهم احد بها. الفيلم لا يدين، لكنه يظهر ان الناس داخل النظام بشر كاملون.
الفيفا.. حين خسرت رهان السينما
كأس العالم لا يحكي فقط عن منتخبات ولاعبين وشعوب، بل احيانا عن المؤسسة التي تملكه وتبيعه للعالم.
وفيلم “المشاعر المتحدة” هو الاكثر اثارة للسخرية. ليس لانه سيئ فحسب، بل لتوقيته الكارثي. كلف الفيفا الفيلم 30 مليون دولار لتروي تاريخه بطوليا. مثل تيم روث دور سيب بلاتر، وجيرار دوبارديو دور جول ريميه مؤسس البطولة. عرض الفيلم في الولايات المتحدة في الايام نفسها التي كانت فيها الشرطة تعتقل مسؤولي الفيفا بتهم الفساد والرشوة.
فالفيلم نفسه صار دليلا على ان الفيفا لم تكتف باستغلال الملاعب والحكومات والعمال، بل حاولت استغلال السينما ايضا. وربما كانت هذه المرة الوحيدة التي خسرت فيها الرهان بالكامل.
واخيرا السينما تكشف ما لا تظهره الكاميرات التلفزيونية. المونديال ليس مجرد لعبة. هو تاريخ، ايديولوجيا، حرب، انتقام، حلم بكرامة، وصورة لشعوب تبحث عن هوية في 90 دقيقة. سواء كان مارادونا يرفع يده منتصرا، او راهب تبتي يبكي امام تلفزيون مستأجر، او لاعب كوري شمالي يجهل انه خسر قبل اربعين عاما، تبقى القصة واحدة: كرة القدم مرآة لا تعكس الكرة فقط.



