الأعمدة

العنصرية والقبائلية.. جذور الأزمة السودانية وسياسات التفتيت.من الإحساس بالتهميش إلى الحرب الأهلية!!!

#image_title
#image_title

✍️ بقلم: محمد الفاتح حضرة
لا يخفى على ذي بصيرة أنّ جذور المظالم في السودان تمتد عميقًا في تاريخ البلاد، إلى ما قبل استقلالها عام 1956، بل وربما إلى ما قبل الفتح الإسلامي واتفاقية البقط، حين كانت ملامح التراتبية الاجتماعية والتمييز بين المجموعات السكانية واضحة المعالم. فقد جرى تهميش أهل جنوب وغرب السودان، والنظر إليهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، بل وصلت الأمور في بعض الفترات إلى استرقاق بعضهم واستغلالهم أبشع استغلال.
ومع نشأة الدولة الحديثة، ورغم وعود المساواة والعدالة، ظلّت السياسات المركزية مائلة نحو خدمة المركز على حساب الأطراف، مما غذّى شعور الظلم الاجتماعي وأجّج الحركات المتمردة في جنوب وغرب السودان، وهي الحركات التي حملت السلاح طلبًا للحقوق بعد أن سُدّت أمامها سبل العدالة السلمية.
وعندما جاء نظام الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني إلى الحكم، عمّق هذه الانقسامات عمدًا، وجعل من تغذية العنصرية والقبلية سياسة ثابتة. كان الهدف واضحًا: تفتيت النسيج الاجتماعي وضمان السيطرة عبر إشغال المكونات الاجتماعية بالصراع فيما بينها، بدلًا من توحيدها في مواجهة الاستبداد والفساد.
🛑 الحرب الأخيرة.. انفجار العنصرية والعنف بلا ضوابط.
#ان اندلاع حرب البرهان وحميدتي كان الشرارة التي أطلقت العنان لأسوأ ما في المجتمع السوداني من غرائز منحرفة.
#في مناطق سيطرة الدعم السريع (الخرطوم والجزيرة):
اندفعت قوات الدعم السريع القادمة من دارفور وجنوب وغرب كردفان، ومعها مجموعات من اللصوص والمجرمين المنحدرين من غرب السودان، إلى ارتكاب جرائم نهب وسرقة وقتل واغتصاب وحرق للمنازل والأسواق، بلا وازع من دين أو ضمير.
الأخطر أن هذه الممارسات لم تكن كلها بأوامر مباشرة، بل كانت مزيجًا من الأوامر العسكرية وتحرير المجال لجرائم انتقامية و”تصفيات اجتماعية”، تحت غطاء خطاب يثير المظلومية التاريخية ويبرر الجريمة بأنها “استرداد حق”.
المؤلم أنّ بعض أبناء جنوب وغرب السودان المقيمين لعقود في الخرطوم والجزيرة، وجدوا أنفسهم ضحايا لأبناء جلدتهم، حيث نُهبت بيوتهم وانتهكت حرماتهم ودُمّرت مصادر أرزاقهم.
🛑تفشي الانتهازية الإجرامية:
لم يقتصر الأمر على الميليشيات، فقد استغل بعض الخفراء المحليين، بل وحتى بعض العائلات الفقيرة الفوضى وقاموا بسرقة الجيران ونهب البيوت التي كانوا يحرسونها، أو التي كانوا بالأمس يطرقون أبوابها طلبًا للعون.
وفي مصر كمثال، واصل بعض اللصوص والمجرمين الفارين من الحرب جرائمهم، مما شوّه صورة كل السودانيين أمام المجتمع المضيف.
🛑 الوجه الآخر.. انتهاكات العسكر والانقلابيين.
#في المقابل، استغل العسكر الانقلابيون وجماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني الحرب لتغذية خطاب مضاد، يقوم على شيطنة مناطق بأكملها ووصمها بأنها “حواضن للدعم السريع”.
🛑الاعتقالات والقتل الانتقامي:
شنت قوات الجيش وميليشياته هجمات على أحياء الكنابي والأحزمة والقُرى، خاصة في ولايات الوسط والشمال، وقتلت شبابًا بزعم تعاونهم مع الدعم السريع أو تورطهم في النهب، دون أي محاكمات أو تحقيقات عادلة.
🛑قصف المدن والقرى في الغرب:
تعرضت مناطق واسعة من غرب السودان للقصف الجوي والمدفعي، تحت مبرر أنها مناطق دعم وإيواء لقوات الدعم السريع، ما أسفر عن مقتل وتشريد آلاف المدنيين.
🛑قانون “الوجوه الغريبة”:
طبّقت السلطات عرفًا خطيرًا يقوم على استهداف أي شخص من أبناء غرب أو جنوب السودان في ولايات الشمال والشرق والوسط لمجرد ملامحه أو لهجته، ووصل الأمر إلى إخلاء طلاب خلاوي القرآن الكريم في كسلا المنحدرين من غرب السودان وإعادتهم قسرًا إلى مناطقهم.
🛑 العنصرية والطبقية.. وقود الحرب.
سواء في خطاب الدعم السريع أو في ممارسات العسكر والانقلابيين، تم توظيف العنصرية والقبائلية والطبقية كسلاح سياسي، ما عمّق الشعور بالتهميش لدى الفئات المتأثرة.
النتيجة كانت دائرة مغلقة:
#خطاب المظلومية يتحول إلى مبرر للجريمة.
#الجريمة تولد رد فعل عنيف من الطرف الآخر، يضرب جماعيًا دون تمييز.
ويستمر استغلال هذه الدائرة لضمان تفكك المجتمع وانشغاله بصراعات داخلية.
🛑 🔴 الحرب كأداة لإعادة إنتاج الاستبداد.
#قادة الجيش الانقلابيين وجماعة الحركة الإسلامية استغلوا هذه الأحداث لتعميق الانقسام المجتمعي، مروّجين لخطاب يربط مناطق كاملة بالدعم السريع، وفي الوقت ذاته يوظفون جرائم الدعم السريع لتبرير قمعهم وفرض سياساتهم الإقصائية.
هكذا، تحولت الحرب من صراع على السلطة إلى معركة لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية على أساس الولاء السياسي والانتماء القبلي، مع سحق كل من يجرؤ على معارضة هذه المنظومة.
🛑 الخلاصة
السودان اليوم لا ينزف فقط من فوهات البنادق، بل من جراح العنصرية والطبقية والجهوية التي تمّ توظيفها عمدًا من قبل أمراء الحرب وفلول النظام البائد. وما لم يتم الاعتراف بهذه الجرائم ومعاقبة مرتكبيها — سواء كانوا من الجيش أو الدعم السريع أو العصابات المتحالفة معهم — فإن البلاد ستظل أسيرة دائرة الثأر والكراهية، وسيبقى حلم الدولة المدنية الديمقراطية بعيد المنال.
#إن الطريق طويل وشاق، لكن البديل هو استمرار دوامة الدم والكراهية والخراب التي أكلت الأخضر واليابس.
ولعل أول خطوة في العلاج هي الاعتراف بوجود هذه الظواهر ومواجهتها بشجاعة، بدلًا من إنكارها أو توظيفها سياسيًا.

زر الذهاب إلى الأعلى