الأعمدة

مروي ونهر النيل.. قراءة في واقعٍ يتغيّر : عمر الدوش

الحديث عن ضم محلية مروي إلى ولاية نهر النيل ليس حديثًا عاطفيًا، ولا دعوة قائمة على مجرد الانتماء القبلي، وإنما هو طرحٌ يجد سنده في الواقع الذي تغيّر كثيرًا خلال السنوات الماضية.

فالحدود الإدارية ليست ثابتة إلى الأبد، وإنما وُضعت لخدمة الناس، فإذا تغيّر واقع الناس، فمن الطبيعي أن تُراجع هذه الحدود بما يحقق المصلحة العامة.

ومروي اليوم لم تعد كما كانت قبل سنوات.

من أبرز التحولات التي أعادت تشكيل المنطقة، قيام طريق القرير (الكُرَي) – عطبرة، وهو طريق لم يختصر المسافة فقط، بل غيّر اتجاه الحركة والتجارة والخدمات. فاليوم أصبحت عطبرة أقرب لمروي في كثير من الجوانب العملية، سواء في التجارة أو العلاج أو المصالح العامة، وهذا خلق ارتباطًا مباشرًا ومتزايدًا بين مروي وولاية نهر النيل.

وفي السياسة والإدارة، الطريق ليس مجرد وسيلة عبور، بل هو أداة تصنع مراكز النفوذ وتعيد ترتيب المصالح.

ثم جاء سد مروي ليحدث تحولًا أكبر وأعمق.

فالسد لم يكن مشروعًا للكهرباء فقط، بل كان نقطة فاصلة في إعادة تشكيل الواقع السكاني والاجتماعي في المنطقة. فقد غمرت بحيرته أجزاء واسعة من أراضي المناصير التاريخية، وتسببت في تهجير أعداد كبيرة من السكان من قراهم وأراضيهم.

وهنا حدث التغيير الأهم.

فالمناصير، وهم جزء أصيل من النسيج الاجتماعي لمروي، توزعوا بعد السد بين الخيار المحلي حول البحيرة، ومناطق أخرى مثل الفداء بمحلية أبو حمد ومشروع المكابراب داخل ولاية نهر النيل. وهذا يعني أن جزءًا معتبرًا من الامتداد البشري المرتبط بمروي أصبح اليوم داخل حدود نهر النيل، مع استمرار الروابط الاجتماعية والأسرية والاقتصادية بينهم وبين مروي.

وبذلك نشأ واقع جديد، يربط مروي بالمناصير وأبو حمد وعطبرة في دائرة واحدة من الحركة والتواصل والمصلحة.

ويضاف إلى ذلك الامتداد المعروف لقبائل الحسانية، الذين يشكلون بدورهم حضورًا اجتماعيًا ممتدًا بين مروي وأبو حمد وبربر وعطبرة، مما يجعل العلاقة بين مروي ونهر النيل ليست علاقة جغرافية فقط، بل علاقة مجتمع متصل ومصالح مشتركة.

ثم جاءت الحرب الأخيرة لتؤكد هذا الواقع أكثر.

فبعد التحولات التي شهدها السودان، أصبحت ولاية نهر النيل مركزًا مهمًا في الاستقرار والإدارة والحركة الاقتصادية، وأصبحت مروي بحكم موقعها واتصالاتها جزءًا من هذا المجال بصورة أوضح من السابق.

لهذا، فإن طرح ضم مروي إلى ولاية نهر النيل ليس موقفًا ضد الولاية الشمالية، ولا انتقاصًا من تاريخها ومكانتها، وإنما هو محاولة لقراءة الواقع كما هو.

فالواقع يقول إن الطرق تغيّرت، والناس تحركت، والمصالح تبدلت، والعلاقات الاجتماعية أعادت رسم الخريطة بصورة مختلفة.

والسياسة الحكيمة هي التي تقرأ هذا الواقع وتتعامل معه.

فربما يكون الوقت قد حان لمراجعة هذا الملف، والنظر إليه بعين المصلحة، لا بعين العادة.

تنقاسي – مروى

زر الذهاب إلى الأعلى