الأعمدة

” قلم لم تُخمده الأيام – في ذكرى رحيل سيد أحمد خليفة “

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في مثل هذا اليوم، العشرين من يونيو، أسدل الموت ستاره على قلمٍ لم يعرف المساومة، ورحل عن دنيانا الصحفي السوداني الكبير سيد أحمد خليفة، رئيس تحرير صحيفة الوطن، تاركاً في سماء الصحافة السودانية فراغاً لا يُملأ، وإرثاً لا يُنسى.
كان سيد أحمد خليفة ظاهرةً في عالم الصحافة السودانية، لا يُصنَّف تصنيفاً سهلاً، ولا يُختزل في لقبٍ أو منصب. فقبل أن يكون رئيساً للتحرير، كان صحفياً بالفطرة والمراس، يحمل همّ وطنه في كل سطر يكتبه، ويرى في الكلمة الحرة أمانةً لا تُقايَض ومسؤوليةً لا تُستعار. بدأ رحلته الصحفية من حيث يبدأ المخلصون: من الحقيقة، لا من البريق.
وحين آلت إليه قيادة صحيفة الوطن، جعل منها صرحاً راسخاً يجهر بالحق في زمنٍ كانت فيه الجرأة تكلّف أصحابها أثماناً باهظة. لم يُدِر ظهره للقضايا الشائكة، ولم يُؤثر السلامة على أداء الرسالة، بل أدار دفّة تحريره بيدٍ ثابتة تجمع بين الحنكة المهنية والضمير اليقظ. كانت الوطن في عهده مرآةً للمشهد السوداني بكل تعقيداته، لا تجتزئ الحقيقة ولا تُجمّلها لمن لا يستحق التجميل.
وقد تجلّى فيه ما نَدُر في غيره: قدرة نادرة على الجمع بين عمق التحليل وحدّة التشخيص وعذوبة الأسلوب. كان يكتب فتشعر أن الكلمات لم تُختر اعتباطاً، بل صِيغت بوعي صاحب رسالة، لا بعجلة باحث عن شهرة. وكان لقلمه وقعٌ لا يُشبه سواه: صريح دون صلافة، جريء دون تهوّر، ناقد دون أن يفقد الموضوعية التي هي عماد الصحافة الرصينة.
أما الروح الوحدوية التي عُرف بها، فقد كانت تسري في عروق كتاباته كما يسري الماء في النهر، كان يرى في تشتّت السودانيين جرحاً ينزّ، وفي وحدتهم دواءً لا غنى عنه. ولذا فإن رثاءه حين رحل لم يكن مجرد تأبينٍ لصحفي فقد الإعلام مهنيته، بل كان حزناً أعمق، يُدرك أصحابه أن السودان فقد صوتاً لم يكن ليعوّضه بسهولة.
وتبقى تلك الصورة التي اختارتها صحيفته لتُصدِّر بها حديثها عنه خير تعبير: رجلٌ ينكبّ على الكتابة على ضوء مصباح يدوي في ساعات الغسق الهادئ، لا يستعين بكهرباء إن انقطعت، لأنه جعل من إرادته ذاتها مصدر الضوء الذي لا ينقطع. وكأنها أرادت أن تقول للأجيال: هكذا كان سيد أحمد خليفة – صحفي غير عادي، في زمنٍ يمتلئ بالعاديين.
رحل بعد أن أنهكه المرض، لكنه رحل وقلمه ما يزال حياً في كل صحفي سوداني تعلّم منه أن الكلمة ليست زينةً بلاغية، بل هي سلاح الوجدان الحر في مواجهة الزيف. وفي هذه الذكرى الأليمة، لا يسعنا إلا أن نُجدّد العهد مع ما آمن به: أن تبقى الصحافة السودانية صادعةً بالحق، وفيّةً لأمانة القلم التي حملها سيد أحمد خليفة حتى آخر رمق.
رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الصحافة والوطن خير الجزاء.

زر الذهاب إلى الأعلى