الأعمدة

بيان قانوني بشأن خطورة تسييس القوات المسلحة السودانية ومخالفة مهامها الدستورية وإمكانية المساءلة الجنائية الدولية

صادر عن:
الأستاذ/ حسن محمدي أحمد محمد
محامٍ ومستشار قانوني
رئيس كيان محامون حماة السلام
أولًا: تمهيد
انطلاقًا من المسؤولية القانونية والوطنية، وحرصًا على حماية أسس الدولة السودانية، وسيادة حكم القانون، واحترام الدستور والمواثيق الدولية، فإنني أُعبّر عن بالغ القلق إزاء أي مساعٍ أو ممارسات تؤدي إلى تسييس القوات المسلحة السودانية أو تحويلها إلى فاعل أو حزب سياسي، بما يُعدّ خروجًا صريحًا عن مهامها الدستورية الأصيلة، ويُعرّض الدولة ومؤسساتها لمخاطر قانونية جسيمة، وطنية ودولية.
ثانيًا: المخالفة الدستورية والقانونية الوطنية
مبدأ مهنية وحياد القوات المسلحة
أقرت الوثائق الدستورية السودانية المتعاقبة، بما فيها الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، أن القوات المسلحة مؤسسة وطنية مهنية، مهمتها حماية البلاد وسيادتها، وتلتزم الحياد وعدم الانخراط في العمل السياسي.
وعليه، فإن أي تدخل مباشر أو غير مباشر في الصراع السياسي يُعد خرقًا دستوريًا جسيمًا وانحرافًا عن الوظيفة السيادية للمؤسسة العسكرية.
حظر استخدام القوة لتحقيق غايات سياسية
تُجرّم القوانين الوطنية إساءة استعمال السلطة أو السلاح خارج الإطار الدستوري، وتعتبر توظيف القوة المسلحة لفرض واقع سياسي أو تعطيل الإرادة الشعبية جريمة تمس النظام الدستوري والأمن القومي.
ثالثًا: التكييف القانوني وفق القانون الدولي العام
مخالفة مبادئ الحكم الديمقراطي
تؤكد مبادئ الأمم المتحدة أن خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية المنتخبة يشكل ركنًا أساسيًا من أركان الدولة الديمقراطية، وأن عسكرة السياسة أو تسييس الجيش يمثل تقويضًا للنظام الدستوري وحكم القانون.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
يكفل العهد حق الشعوب في تقرير مصيرها والمشاركة الحرة في إدارة الشأن العام، ويُعدّ تدخل الجيش في الحياة السياسية بالقوة انتهاكًا مباشرًا للحقوق السياسية الأساسية، ولا سيما الحق في الاختيار الحر للسلطة.
رابعًا: الإطار الإقليمي الإفريقي
حظر التغييرات غير الدستورية للحكم
يجرّم الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم الصادر عن الاتحاد الإفريقي أي استيلاء عسكري على السلطة أو مشاركة القوات المسلحة في الحكم خارج الإطار الدستوري، ويحمّل القادة العسكريين مسؤولية احترام الشرعية الدستورية.
الآثار الإقليمية
أثبتت التجارب الإفريقية أن تسييس الجيوش يؤدي إلى النزاعات الداخلية، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، ويفتح الباب أمام التدخلات الدولية والإقليمية.
خامسًا: إشارات اختصاص القضاء الجنائي الدولي
مع التسليم بأن الأصل هو اختصاص القضاء الوطني، فإن تسييس القوات المسلحة، متى اقترن بانتهاكات جسيمة، قد يؤدي قانونًا إلى انعقاد الاختصاص الجنائي الدولي على النحو الآتي:
الاختصاص الموضوعي
تختص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر في جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الإبادة الجماعية متى ارتُكبت في إطار نزاع مسلح أو هجوم واسع أو منهجي ضد السكان المدنيين.
مبدأ التكامل
وِفقًا لأحكام نظام روما الأساسي، ينعقد اختصاص المحكمة متى ثبت:
عجز القضاء الوطني عن التحقيق أو المحاكمة، أو
عدم رغبته الجدية في ملاحقة المسؤولين، أو
استخدام الأجهزة القضائية كوسيلة للإفلات من العقاب.
المسؤولية الجنائية الفردية ومسؤولية القيادة
تترتب المسؤولية الجنائية الدولية على:
كل من أصدر أو نفّذ أو ساعد أو حرّض على ارتكاب الجرائم
القادة العسكريين متى علموا أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بالجرائم ولم يتخذوا التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها
ولا يُقبل الدفع بالصفة الرسمية أو الأوامر العليا كسبب للإعفاء من المسؤولية.
عدم الحصانة وعدم التقادم
الجرائم الدولية الجسيمة لا تسقط بالتقادم، ولا تحول الحصانات الدستورية أو الوظيفية دون المساءلة عنها أمام القضاء الجنائي الدولي.
سادسًا: الآثار القانونية والسياسية
تقويض شرعية القوات المسلحة كمؤسسة وطنية جامعة.
تهديد السلم الاجتماعي ووحدة الدولة.
تعريض السودان للمساءلة والعزلة الدولية.
فتح الباب أمام ملاحقات جنائية دولية تستهدف الأفراد المسؤولين، لا الدولة ولا الشعب.
سابعًا: الموقف القانوني والخاتمة
إنني أؤكد، بصفتي محاميًا ومستشارًا قانونيًا، أن:
الجيش الذي يتحول إلى حزب سياسي
يفقد صفته الدستورية،
ويُعرّض قادته وأفراده لمسؤوليات قانونية لا تسقط بالتقادم.
ولا سبيل لبناء دولة سودانية مستقرة إلا عبر:
جيش مهني واحد، محايد، خاضع للسلطة المدنية
نظام ديمقراطي يقوم على التداول السلمي للسلطة
احترام الدستور والقانون الدولي وحقوق الإنسان
والله ولي التوفيق
الأستاذ/ حسن محمدي أحمد محمد
محامٍ ومستشار قانوني
رئيس كيان محامون حماة السلام

زر الذهاب إلى الأعلى