
نزار عثمان السمندل
بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب، يبدو السودان كمن يقف أمام سؤال أكبر من معركة عسكرية بين جنرالين.
يسيطر على المشهد الآن؛ سؤال يتعلق بمصير البلاد نفسها: هل ما يزال الحديث عن استعادة كامل الأرض مشروعاً قائماً، أم أن الحرب بدأت ترسم خرائط جديدة على أنقاض الدولة القديمة؟
يحدث ذلك، في ظل تصاعد الشكوك داخل الأوساط السودانية، حول قدرة الجيش على استعادة إقليمي دارفور وكردفان، في وقت تتسع فيه مساحة السيطرة لمليشيا الدعم السريع، ويترسخ واقع ميداني جديد يجعل فكرة الانقسام حاضرة بقوة في النقاش حول مستقبل السودان.
منذ أبريل 2023، حين انفجرت الحرب بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، دخل السودان نفقاً مفتوحاً من الدم والدمار والنزوح. حرب بدأت حول السلطة، سرعان ما تحولت إلى صراع على الدولة نفسها، وعلى من يملك حق تعريف شكلها وحدودها ومن يدير ما تبقى من مؤسساتها.
وراء أصوات المدافع، هناك معركة أخرى تجري بصمت: معركة الزمن. فكل يوم يمر من دون تسوية يمنح القوى المتحاربة فرصة لتحويل مناطق النفوذ إلى وقائع مستقرة، ويجعل خطوط السيطرة العسكرية أقرب إلى حدود سياسية محتملة.
تقرير نشره موقع “صحيح السودان” ذهب إلى مساحة أكثر قتامة، حين تحدث عن حالة إنكار يعيشها الخطاب العام تجاه واقع يراه كثيرون يتشكل أمام أعينهم.
التقرير اعتبر أن الجيش، بعد تركيزه على الخرطوم والمناطق الوسطى، ابتعد عن مشروع استعادة دارفور وكردفان، وأن الوعود السابقة بشأن التحركات العسكرية لتحرير المدن الكبرى تراجعت من الواجهة.
الفكرة الأكثر خطورة في التقرير لا تتعلق فقط بخسارة معركة هنا أو تقدم عسكري هناك، وإنما بتحول الحرب إلى مشروعين متوازيين لإدارة السودان. فحين تنشئ مليشيا مسلحة سلطة وأجهزة ومؤسسات في المناطق التي تسيطر عليها، يصبح الصراع أقرب إلى صراع على شكل الدولة، وليس مجرد صراع على مقاعد الحكم.
التاريخ يقدم نماذج كثيرة لكيانات نشأت من رحم الحروب الطويلة، وبقيت خارج الاعتراف الدولي لكنها استطاعت بناء واقع خاص بها. تجربة أرض الصومال التي أعلنت استقلالها عام 1991، أو تجربة تايوان التي عاشت عقوداً في ظل نزاع مع الصين، تظهر أن غياب الاعتراف الخارجي لا يلغي دائماً وجود واقع سياسي فرضته الجغرافيا والقوة والإدارة.
بخصوص السودان، تتصاعد المخاوف من أن يتحول المؤقت إلى دائم. فالحرب التي بدأت باعتبارها مواجهة عسكرية قد تنتج مع مرور الوقت مناطق نفوذ، ومؤسسات بديلة، وذاكرة مختلفة لكل طرف عن معنى الوطن وحدوده.
المفارقة اللافتة أن عودة بعض مظاهر الحياة إلى الخرطوم والمناطق الآمنة قد تحمل وجهين: وجه الأمل بأن البلاد تستعيد شيئاً من نبضها، ووجه آخر يتمثل في اعتياد السودانيين على واقع الانقسام وكأنه قدر يومي.
جوهر الصراع تجاوز منذ وقت طويل مسألة السيطرة على مدينة أو خسارة أخرى، فكل حرب طويلة تترك وراءها سؤالاً يتجاوز المنتصر والمهزوم: كيف ستبدو الدولة بعد انقشاع الدخان؟
وماذا يبقى من الوطن حين يعتاد الناس العيش بعيداً عن بعضهم؟



