المختفون قسراً في السودان… زنازين تبتلع الآلاف داخلها، وقانون الوجوه الغريبة يرسم لوحة قاتمة.

بقلوب تكسوها الحسرة، وعيون تملؤها الدموع، وأصوات منهكة ومتعبة، ظهر والدا المختفي قسراً أبوبكر محمد نور الدائم، الشهير بـ”بكري ود السائح”، عبر مقطع فيديو تداولته الأسافير.
تحكي خلاله والدته، مشارق علي عباس، عن معاناتها في تتبع أثر ولدها الذي تم اقتياده من قبل قوات المباحث. وفي رحلة البحث عنه، ذهبت إلى مركز الشرطة، وتم إبلاغها بالمثول لإجراءات التحري، وأنه سوف يتم إطلاق سراحه.
تواصل والدة المختفي قسراً حديثها عن ملابسات الاختفاء، بأنهم نقلوه إلى مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، وفي رحلة التنقل هذه استقر مؤخراً، حسب متابعات الأسرة، في مدينة سنجة. وتحكي الوالدة المكلومة، صاحبة القلب المكسور، بأنهم منذ ذلك التاريخ لم يعرفوا عن ابنهم أثراً ولا مصيراً، والدموع المنسكبة تقطع حديث الأم المفجوعة.
ويواصل والده، محمد نور الدائم، تفاصيل الرواية الحزينة، حيث قال إن ابنهم تم اعتقاله من مدينة المعيلق بولاية الجزيرة، ومنها تم تحويله إلى مدينة الكاملين، حيث بقي فيها حوالي (8) أيام، ثم تم تحويله إلى ود مدني، التي ظل فيها لمدة ثلاثة أشهر، حتى سقوط المدينة في أيدي قوات الدعم السريع، ولم يتم التعرف على مصيره منذ ذلك التوقيت.
بين المعتقلات ومراكز الشرطة وأماكن الاحتجاز، تبحث آلاف الأسر عن مصير أبنائها المختفين قسراً، وسط غياب للمعلومات، وتكتم كبير، وقوانين مجحفة لتصفية خصومات سياسية قديمة يرجع تاريخها إلى ثورة ديسمبر المجيدة، التي اقتلعت نظام الإخوان المسلمين من السودان.
اليوم تنزلق البلاد تحت وطأة قانون الوجوه الغريبة سيئ الذكر، بالإضافة إلى بعض المواد القانونية الفضفاضة التي تتعلق بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع، وبين هذا وذاك يضيع آلاف السودانيين هنا وهناك، من نيالا إلى بورتسودان وبالعكس.
ومنذ انطلاق النزاع في السودان، أصبحت رحلة البحث عن المفقودين معاناة يومية لعدد كبير من العائلات التي لا تعرف مصير أبنائها، هل هم أحياء داخل المعتقلات أم توفوا؟ وبين العمليات العسكرية والاعتقالات المرتبطة بالمواقف السياسية أو الاشتباه الأمني، برزت قضية الاختفاء القسري كواحدة من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان التي خلفها النزاع.
وبحسب إحصاءات رسمية نشرها الصليب الأحمر، فإن عدد المختفين قسراً في السودان بلغ (9) آلاف مختفٍ جراء فترة النزاع الدائر في البلاد.
وتأتي مبادرة “مفقود” بأرقام أكثر تفصيلاً عن هذه الكارثة المنسية التي خلفها النزاع العبثي، حيث سجلت في العام 2023 عدد البلاغات (248) عبر تطبيق واتساب، وبلغ عدد الحالات الموثقة من الرجال (980) ومن النساء (2)، منهم (755) مواطناً، بإجمالي بلغ (982).
ووثقت مبادرة “مفقود” في العام 2024 عدد حالات الاختفاء القسري، وبلغ عدد البلاغات خلالها (1045)، بينها عدد حالات الاختفاء الموثقة من الرجال (2480) حالة، وعدد (4) نساء، منهم (1450) مواطناً، بإجمالي بلغ (2484).
وتواصل مبادرة “مفقود” مجهودها لتكشف عن أرقام جديدة في العام 2025، حيث بلغ عدد البلاغات (6471)، وعدد حالات الاختفاء الموثقة من الرجال (14587)، ومن النساء (638)، منهم (8758) مواطناً، وبلغ إجمالي المفقودين (15225).
وجاءت الإحصائيات من العام 2023 وحتى 17 ديسمبر 2025 كالتالي:
* إجمالي البلاغات: 7767.
* إجمالي الحالات الموثقة: 24493.
* مواطنون: 16797.
* رجال: 23849.
* نساء: 644.
وبحسب إحصاءات مبادرة “مفقود”، فإن ترتيب الولايات والمدن جاء كالتالي:
الخرطوم: 4051، أم درمان: 8812، بحري: 2110، الجزيرة: 5643، كوستي: 11، القضارف: 47، بورتسودان: 18، دارفور: 2148، النيل الأزرق: 519، نهر النيل: 119، الدندر: 511.
وبلغ إجمالي حالات لم الشمل (2480) حالة، بينما وصل إجمالي عدد المحررين من المعتقلات إلى (1985)، وجاء لم الشمل بالتحقق من المعلومات من البلاغات (1755)، وإجمالي لم الشمل عبر فحص الصور والفيديوهات (725) حالة.
ووصل عدد المفقودين الذين تأكدت وفاتهم إلى (4378) حالة وفاة.
جاء هذا التقرير وفقاً لتوثيق مكتب البلاغات والتحقق من المعلومات بمركز ضحايا الاختفاء القسري “مفقود”.
وتعتبر الحرب أحد أهم الأسباب لوجود هذا العدد من المفقودين، ومن المسببات الأساسية، فبعض الأشخاص اختفوا أثناء محاولتهم النزوح بحثاً عن الأمان من مناطق النزاع، وبعض المدنيين تم إخفاؤهم لحظات عبورهم لنقاط التفتيش في مناطق سيطرة أطراف النزاع هنا وهناك، والبعض اختفى بعد اقتحام أحد أطراف النزاع للأحياء السكنية والمدن والقرى، وحملات التفتيش التي طالتها من قبل القوات المسيطرة.
وبحسب المحلل السياسي أنور سليمان، فإن الاعتقالات التي حدثت بسبب المواقف السياسية لقوى الثورة والمواقف الرافضة للحرب، كانت سبباً من أسباب الاختفاء القسري الذي طال سياسيين وصحفيين ومتطوعين في غرف الطوارئ والتكايا، حيث تم احتجازهم دون أي سند قانوني، ودون إعلان أماكن الاحتجاز، مع انقطاع التواصل مع الأسر والمحامين.
ووفقاً لآراء خبراء ومحللين، أكدوا أن قانون الوجوه الغريبة هو وسيلة لتمزيق النسيج الاجتماعي وهتك السبيكة الوطنية، وأبدوا استغرابهم من اللجوء إلى المحاكمات وفقاً للهوية والمناطقية، وتصفية خصومات سياسية وإلباسها ثوب القانون، مؤكدين أن مثل هذه القوانين تطعن في حيادية واستقلالية القضاء السوداني.
ويبقى السؤال الأبرز: كم عدد السودانيين الذين اختفوا دون أن تعرف أسرهم مصيرهم؟
ومع استمرار النزاع وتطاول أمده، تتزايد المخاوف من أن يتحول ملف المختفين قسراً إلى مجرد ملف منسي من ملفات الحرب العبثية، ما لم تتدخل المنظمات الإنسانية والحقوقية، وتكشف عن أماكن الاحتجاز القسري، ويتم تقديم المسؤولين عنها للمثول أمام محاكمات عادلة وفقاً لنتائج التحقيقات، ومنح الأسر حقها في معرفة مصائر ذويها الذين طالهم الاختفاء القسري



