الأعمدة

معادلة شريان الشمال: مناشدة أماني الطويل ومحك الشفافية بين الأمن والاقتصاد:

عبد القادر عمر
تأتي المناشدة العاجلة التي وجهتها الدكتورة أماني الطويل إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لفتح المعابر وإزالة ما وصفته بـ “فوضى ترس الشمال” لتنقل الجدل الدائر حول العلاقات السودانية المصرية من فضاء المنصات الرقمية إلى مربع الضغط الدبلوماسي والاستراتيجي المباشر هذه المناشدة تعكس بوضوح القلق المصري البالغ من تعطل مسارات الإمداد والتجارة البينية لكنها في ذات الوقت تضع الدولة السودانية أمام محك إدارة التوازن الحرج بين تلبية رغبات الحليف الإقليمي وبين استيعاب مخاوف وهواجس مواطنيها في قضايا السيادة والموارد.
1. شريان الشمال بين المنظور الاستراتيجي والواقع الشعبي.
الأهمية الاستراتيجية لحديث أماني الطويل تكمن في كونها تعبر عن رؤية القاهرة الإستراتيجية التي ترى في “طريق شريان الشمال” وتيناً رابطاً ومساراً حيوياً لا يقبل العرقلة تحت أي ظرف واعتبار إغلاقه كارثة متعمدة من قوى متربصة يوضح أن الجانب المصري يتعامل مع الملف من منظور أمني واقتصادي بحت ومع ذلك فإن القراءة الواقعية للأرض تؤكد أن حراك “الترس” في شمال السودان لم ينطلق من فراغ بل هو نتاج تراكمات من غياب الشفافية حول السلع الصادرة والواردة وتنامي القلق الشعبي عقب الإعلانات الأخيرة عن عقود التعدين الضخمة وإنشاء عشرات المناجم دون تنوير رسمي يطمئن أصحاب الأرض.
2. فخ الحلول الأمنية ومسؤولية الحوار الوطني.
المطالبة بتدخل فوري وحاسم لإنهاء الترس بالقوة هي قراءة قد تفتقر للحساسية الاجتماعية والسياسية المطلوبة في زمن الحرب الجبهة الشمالية تمثل اليوم العمق الآمن وظهيراً إسنادياً كبيراً للدولة والقوات المسلحة وأي محاولة لمعالجة الاحتجاجات الشعبية والعشائرية هناك عبر أدوات الخيار الأمني الخشن قد تفجر أزمات جديدة تخدم أجندة المليشيا التخريبية الحل الحقيقي والذكي لا يبدأ من فك التروس بالقوة بل من خروج المؤسسات الرسمية السودانية – وتحديداً وزارتي التجارة والمعادن – بقرارات شجاعة تضع ضوابط صارمة تضمن الندية الكاملة والعدالة في العوائد الاقتصادية وتجعل المواطن الشمالي شريكاً في القرار وليس مجرد متفرج على موارد بلاده وهي تعبر الحدود.
3. التكامل الاستراتيجي وشروط الاستدامة.
إن التكامل الاستراتيجي بين الخرطوم والقاهرة هو ضرورة حتمية تفرضها حسابات الجغرافيا والتاريخ ومصالح الشعبين الشقيقين لكن الاستدامة في هذا التكامل لا تصنعها الاتفاقيات الفوقية الجافة أو المناشدات الإعلامية بل يصنعها الرضا الشعبي المبني على المصالح المتبادلة والشفافية المطلقة وتحديد الصادرات والواردات بميزان الذهب والقانون فالوعي السوداني المتشكل وسط ركام الحرب بات شديد الحساسية تجاه أي ملف يمس سيادته الاقتصادية ولا يمكن إقناع الشارع بفتح المعابر بشكل دائم ما لم يرى بوضوح أن عرق جبينه وموارد أرضه تعود بالنفع المباشر على الخزينة الوطنية ودعم المجهود الحربي لتطهير البلاد.
الخلاصة:
مناشدة الدكتورة أماني الطويل يجب أن تقرأ كدليل على حجم التأثير الذي يمارسه حراك الأرض في معادلات السياسة الخارجية على مجلس السيادة والحكومة التنفيذية التمسك بمسار الحوار وتوضيح الحقائق للرأي العام السوداني والمصري على حد سواء العلاقات مع القاهرة راسخة ومحورية وندعم استمرارها وتطويرها ولكن على أسس واضحة من الندية وحفظ الحقوق الكاملة فالأرض التي يدافع عنها الشعب بدمه في جبهات القتال لا يمكن إدارتها اقتصادياً بعقلية البروتوكولات الجافة والصمت الإعلامي الذي يغذي الهواجس ويزرع الشكوك.

زر الذهاب إلى الأعلى