



وللتذكير، ليس إلا، فإن مصطلح
«سيرة البحر»
يعود حق ملكيته الحصرية إلى الصديق البروفيسور عبد اللطيف البوني، الكاتب الصحفي صاحب القلم الساخر، وهو يصف الكتابة في السياسة بأنها «سيرة البحر»، لما للبحر من صفات العمق المجهول القرار، وعنف الأمواج، وتأثره بتقلبات الرياح، وأحياناً غدره بأكثر الذين يجيدون السباحة في عرضه وطوله!
أما أنا، فمنذ الصغر، كان قدري أن أولد وأنشأ في بيت كان مجلساً مفتوحاً للسياسة، بحكم انضمام والدي إلى ما كانت تسمى الجبهة الوطنية المعادية للاستعمار، ثم انتقاله إلى العمل النقابي الشاق من خلال عضويته في المجالس التنفيذية المتعاقبة لاتحاد مزارعي الجزيرة، ومن ثم المناقل لاحقاً.
وكانت تلك حقباً تتأرجح بين التقارب مع السلطات الحاكمة بعد الاستقلال، حين كانت مدنية، وبين مهادنات عابرة مع نظام عسكري، لاعتبارات فكرية، لم يلبث بعدها أن قلب ظهر المجن على اتحاد المزارعين، حين خالفه في بعض مطالبه المتعلقة بنهضة القواعد، فأطلق على أقطاب الاتحاد سهام العداء، ثم ألقى بهم في غياهب السجون، وفرض عليهم العزلة حتى بعد الإفراج عنهم، تحت ضغط قواعدهم الجماهيرية.
ثم يمضي النظام ويمضي ديكتاتوره، ليقف أمام محكمة التاريخ، وتبقى تلك الجماهير تصفق بأكفها في غمرة فرحها بل وغفلتها وتهتف حناجرها بشعارات نصر الثورة، ولا يهدأ غبار زحفها الذي دك حصناً منيعاً، حتى إذا بالغبار ينقشع قليلاً، ليظهر من خلفه نظام عسكري آخر، مستثمرا شتات القوى السياسية المدنية التي تتصارع على لحم دب السلطة قبل ذبحه؛ بين من يطمع في المطايب، ومن قد يكتفي بالأظلاف وفروة الجلد!
وهكذا ظللت أدمن تلك السيرة المعقدة الفصول كتابة وتحليلات لا ممارسة قبل و حتى بعد رحيل الوالد ورفاقه الميامين إلى الرفيق الأعلى، طيب الله ثراهم، وجعل في ميزان حسناتهم ما قدموه من تضحيات يستحقها هذا الوطن.
الذي تركوه رقعة تراب كاملة أمانة في أعناقنا، وبين أيادينا التي أحسنوا الظن بها، وظنوا أنها ستظل متشابكة كأجيال، تحمل الوصية، وتذود بالغالي والنفيس عن تماسك ترابه ووحدة شعبه.
فذهبوا بتلك الثقة، التي ــ ويا للأسف ــ لم تصادف من يحفظها كما ينبغي، فإذا بها تقع فريسة بين ساسة مدنيين آثروا تقديم الطموح الخاص على تحقيق أحلام الوطن و حاجات شعبه
وعسكر استغلوا تلك الثغرة، فتخلوا عن مهامهم في حماية الحدود وصيانة الدستور، إن هو وُجد، وقدموا اللهث وراء السلطة والثروة على ما يفترض أن تكون عليه المؤسسة العسكرية من زهد في نزوة الحكم والثروة.
فيا ترى، ماذا سيقول أولئك الآباء لو عادوا إلى الحياة، فرأوا مقدار ما نفذه خلفهم من تلك الوصاية على الوطن؟
في رأيي، أنهم سيصدمون من واقعنا المرير، الغارق في دماء السكاكين التي تنهش جسد الوطن، وتتحاذبه تمزيقاً في فورة نزوات الإحن والجهوية، وإشارات العنصرية البغيضة التي أشرأبت بعنقها، حين وجدت متنفساً أخرجها من قمقم التكتم إلى فضاءات البوح بالمسكوت عنه، بعد أن ظل طويلاً حبيس النفاق الاجتماعي والسياسي.
ويقيني أن أولئك الآباء والأجداد، لو عادوا اليوم، لفضلوا العودة إلى حياة البرزخ، وهم يطلبون لنا المغفرة، ومن حقهم ــ إن فعلوا ــ أن يلومونا، بل أن يلعنونا في سر أرواحهم أو حتى في جهرها.
فما أقسى أن يرحل الآباء وهم يسلّموننا وطناً، ويعود الأبناء بعد عقود ليكتشفوا أنهم لم يحسنوا حفظ الأمانة ويا له في على اجيال الغد من تكرار أخطاء أجيالنا .
رحم الله اولئك الافذاذ… وتجاوز عن صبوتنا.
إنه من وراء القصد، وهو المستعان.
صاحب العباءة السوداء الراحل الشيخ الامين محمد الامين أحد رؤساء اتحاد المزارعين التاريخيين واول وزير ممثل لقطاع الزراع في حكومة تورة اكتوبر 1964..
وإلى جانبه الوالد الراحل الشيخ عبد الله محمد الامين برقاوي ..طيب الله ثراهما



