الأعمدة

انهيار الجنيه السوداني .. أم انهيار الدولة؟

أحمد_عثمان_جبريل
❝ العملة ليست مرآة الاقتصاد فحسب؛ إنها المرآة التي تعكس قوة الدولة أو هشاشتها. ❞
ليس أخطر ما في المشهد أن يقفز سعر الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، فالأرقام لا تصنع الكوارث، وإنما تكشفها.. الكارثة الحقيقية أن يصبح انهيار الجنيه خبراً عادياً، وأن يتعامل الناس مع تآكل قيمة عملتهم كما يتعاملون مع شروق الشمس وغروبها؛ حدثٌ يتكرر حتى يفقد قدرته على إدهاشهم.
وحين تصل العملة الوطنية إلى هذه المرحلة، فإن السؤال لا يعود اقتصادياً فحسب، بل يصبح سؤالاً عن الدولة نفسها.. فالجنيه لا يسقط وحده، بل يسقط معه شيء من هيبة الدولة، ومن ثقة الناس، ومن قدرتهم على التخطيط لغدهم.. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا ارتفع الدولار؟ وإنما: (هل انهار الجنيه السوداني… أم أن الدولة نفسها هي التي بدأت تتداعى، فكان الجنيه أول من كشف الحقيقة؟)
(1)
لا تنهار العملات لأنها ضعيفة بطبيعتها، وإنما لأنها فقدت ما يحميها.. فالعملة ليست ورقةً تُطبع في مطابع البنوك، وإنما هي خلاصة ما تنتجه الحقول، وما تصنعه المصانع، وما تصدره الموانئ، وما تبنيه الدولة من ثقة في مؤسساتها.
ولهذا، فإن كل جنيه يفقد قيمته إنما يروي قصة إنتاج توقف، أو إدارةٍ تعثرت، أو حرب استنزفت، أو ثقة تآكلت.
(2)
لم يبدأ هذا الانهيار مع الحرب، وإن كانت الحرب قد وجهت إليه الضربة الأقسى . فقد سبقها مسار طويل من السياسات الاقتصادية التي يرى كثير من المراقبين أنها أضعفت الاقتصاد المنتج، وأفقدت السودان تدريجيا مصادر قوته التاريخية.
تراجعت الزراعة التي كانت لسنوات طويلة عماد الاقتصاد الوطني، وتدهورت مشاريع كبرى كانت تشكل ركيزة للإنتاج والصادرات، وعلى رأسها مشروع الجزيرة.. كما شهدت مؤسسات عامة منتجة تحولات وعمليات خصخصة وإعادة هيكلة أثارت جدلاً واسعاً حول آثارها الاقتصادية. ومع مرور الزمن، تقلصت مساهمة القطاعات المنتجة، واتسعت الفجوة بين ما يستهلكه السودان وما ينتجه.
ومنذ ذلك الحين، بدأ الجنيه يفقد السند الحقيقي الذي تقوم عليه قيمة العملات.
(3)
ثم جاءت الحرب، لا لتبدأ الأزمة، وإنما لتكشفها كاملة.. توقفت المصانع، وغابت المواسم الزراعية في مناطق واسعة، وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت الصادرات، وهاجرت رؤوس الأموال، وانكمشت الأسواق.. وتحولت الأولوية من بناء الاقتصاد إلى تمويل الصراع، ومن الاستثمار في المستقبل إلى الإنفاق على البقاء.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكون الدولار سبب الانهيار، بل يصبح النتيجة الطبيعية لاقتصاد توقف عن الإنتاج، ولدولة تستنزف مواردها في الحرب أكثر مما تستثمرها في التنمية.
(4)
ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن السودان، وهو بلد يملك ثروات معدنية وزراعية هائلة، لم ينجح في تحويل هذه الثروات إلى قوة تحمي عملته.
فالذهب، الذي كان يمكن أن يكون ركيزة لتعزيز الاحتياطيات وتمويل التنمية، لم ينعكس بما يكفي في بناء اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات.. ومع استمرار الحرب، تتزايد المخاوف من أن يذهب جزء متزايد من الموارد إلى تغطية كلفة الصراع، بينما يتراجع الإنفاق على الإنتاج والخدمات وإعادة الإعمار.
والنتيجة يدفعها المواطن، لا في نشرات الاقتصاد، بل على موائد الطعام، وفي أسعار الدواء، وفي كلفة الحياة اليومية.
(5)
ولأن الأزمات الكبرى تحتاج إلى رؤى كبرى، فقد كان السودانيون ينتظرون من حكومة كامل إدريس التي سموها (الامل) أن تضع الاقتصاد في مقدمة الأولويات، وأن تقدم برنامجاً واضحاً يبعث شيئاً من الثقة في الأسواق، ويحدد مساراً لإيقاف النزيف.
لكن حتى الآن، لا يزال كثيرون يتساءلون عن ملامح المعالجة الاقتصادية الشاملة، بينما يواصل الجنيه تراجعه، وتزداد الأعباء المعيشية.. فالأمل لا يصنعه الاسم، وإنما تصنعه السياسات، والخطط، والقدرة على التنفيذ.
(6)
إن الاقتصادات لا تُبنى بالشعارات، ولا تستعيد العملات قيمتها بالتصريحات..
الجنيه لا يحتاج إلى من يطمئن عليه في المؤتمرات، بل إلى مزارع يعود إلى أرضه، وعامل يعود إلى مصنعه، ومستثمر يثق في المستقبل، ودولة تجعل الإنتاج قبل السياسة، والسلام قبل الحرب.
فالعملة القوية ليست قراراً إدارياً، وإنما هي ثمرة دولة تعرف كيف تحمي اقتصادها قبل أن تطلب من مواطنيها الصبر.
(7)
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نهضت من الحروب لم تبدأ بإصلاح سعر الصرف، بل بدأت بإصلاح الدولة نفسها..
فحين تعود المؤسسات إلى أداء دورها، ويُستعاد الأمن، ويُفتح الطريق أمام الإنتاج، وتُدار الموارد بشفافية وكفاءة، يصبح تعافي العملة نتيجة طبيعية، لا هدفًا معزولًا..
أما أن نبحث كل صباح عن سعر الدولار، بينما تبقى أسباب الانهيار كما هي، فذلك يشبه تغيير ميزان الحرارة وترك الحمى تفتك بالجسد.
ما نود قوله هنا: إن الجنيه السوداني لا يطلب معجزة، ولا ينتظر قراراً استثنائيًاً.. إنه يطلب فقط دولةً تستعيد معناها.
دولةً لا تستنزفها الحروب، ولا تضعفها السياسات قصيرة النظر، ولا تجعل ثرواتها تمر من بين يديها دون أن تنعكس على حياة مواطنيها.
فليس أخطر ما ينهار في الأوطان هو العملة، بل الثقة.. وإذا فقد الناس ثقتهم في عملتهم، فقدوا معها شيئًا من ثقتهم في المستقبل، وفي قدرة الدولة على الوفاء بوظيفتها الأولى: حماية الإنسان، وحماية أسباب عيشه.
وحينها، لن يكون السؤال: كم أصبح سعر الدولار اليوم؟ .. بل سيكون السؤال الذي سيكتبه التاريخ في صدر هذه المرحلة:
هل انهار الجنيه السوداني… أم أن الدولة هي التي تركت عملتها تسقط لأنها كانت، هي الأخرى، تسقط بصمت؟.. إنا لله ياخ ..
الله غالب .
ومضة أخيرة..
أفقٌ يترفق باتساعه .. لا ليخفف وطأة الحقيقة، بل ليمنحها اللغة التي تستحق، وحيث تنطق الكلمات قبل أن تُقرأ.

زر الذهاب إلى الأعلى