تحضرني طرفة ذلك الأب الذي استقبل ابنته وقد عادت متأخرة من دراستها المسائية، فقال ممازحًا: “يا بنتي… تعليمكم ده، تعليم شنو؟! زي تعليم العروس زمان!”
وكانت تعليمة العروس في الأجيال الماضية طقسًا اجتماعيًا يبدأ قبل الزفاف بأسابيع، حيث تجتمع الفتيات في بيت أهل العروس، تتولى تدريبهن امرأة خبيرة، وربما كانت هي المغنية أيضًا، تلقن العروس الرقصات القديمة والجديدة حتى تتألق في ليلة السيرة، وتبدو واثقة في ساحة الفرح، بينما يقف العريس مرتبكًا أمام منافسة لم يدخل معسكرها التدريبي!
شهدنا تلك الأجواء ونحن صبية، قبل أن تعرف قرانا الكهرباء. كنا نجلس حول الرتائن التي تضيء ساحة الاحتفال بالكيروسين، ونضحك من انعكاس وجوهنا على خزانها المعدني اللامع، ثم يغلبنا النعاس، فلا نستيقظ إلا صباحًا فوق عناقريب الدار بعدما حملنا أهلنا ونحن نيام. وربما استقبلنا الفكي أو المدرس في اليوم التالي بعقوبة، بعد أن بلغ عنهما جواسيس… هم منا وفينا!
ثم جاء زمن الشباب، فأصبح الاستعداد للحفل يبدأ منذ النهار؛ غسل القميص الوحيد وكيه، أو استعارة ملابس من صديق أكثر يسرًا. ومن علامات الرجولة يومها أن تبرز علبة السجائر من جيب القميص الشفاف، لا أكثر!
وعندما ينتهي الحفل في الساعات الأولى من الصباح، كنا نحمل الرتائن لنرافق الفتيات إلى بيوتهن، حتى يطمئن أهلهن على وصولهن. لم يكن أحد يتجاوز حدود الأدب، ولا يعرف الغزل الفج طريقًا إلى الألسن، فكل فتاة كانت بمنزلة أخت، ومسؤولية يتقاسمها الجميع.
ثم جاءت الكهرباء، وجاء معها التلفاز، وتدفقت ثقافات جديدة غيّرت كثيرًا من العادات. تحول رقص العروس إلى عناق في صالات الأفراح، والسيرة إلى زفة شرقية، واختزلت أفراح الأسبوع في ليلة واحدة، بينما تضاعفت تكاليفها عشرات المرات.
وكان الفنان يسافر إلى الأبيض أو بورتسودان ليحيي عدة ليالٍ بأجر رمزي، أو مجاملة لصديق أو وفاء لأسرة العريس. أما اليوم، فقد يغني ساعتين فقط، ويغادر وقد قبض مئات الآلاف من الجنيهات… ولا عزاء للشعراء، أحياءً كانوا أم راحلين.
غير أن أكثر ما يؤلم ليس تبدل العادات، فلكل زمان ملامحه، وإنما ما آل إليه التعليم. فقد خرجت أجيال تحمل شهادات جامعية، لكنها تتعثر في أبسط قواعد اللغة؛ فيختلط القاف بالغين، والذال بالزاي، فتصبح القانون “غانونًا”، والذكريات “زكريات”، وربما كُتبت الإنقاذ “إنغاذًا”!
ولعلها تستحق، على سبيل السخرية، ما يقال في المثل الشعبي: “تستاهل الشعيرية”، فقد غذّت أجيالًا بتعليم فقد كثيرًا من جودة التأسيس، حتى بدا، في بعض جوانبه، أقل إتقانًا من تعليمة العروس القديمة!
هي ذكريات نستعيدها لا تحسرًا على الماضي، ولا رفضًا للحاضر، وإنما لأن لكل زمن جماله ونقائصه، ولكل وقت أذانه… غير أن الإتقان، في كل زمان، يظل قيمة لا ينبغي أن تغيب.
دمتم بخير.



