الأعمدة

سرقة النصوص تقتل الموهبة!

عبد الكريم البليخ
من أكثر ما يثير الاستغراب والأسى، وأنا أتابع ما يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما في “فيسبوك”، ذلك السلوك الذي يُمارسه بعض من يقدّمون أنفسهم بوصفهم أدباء ومثقفين، بينما هم في الحقيقة لا يتورعون عن الاستيلاء على نتاج الآخرين ونسبته إلى أنفسهم بكل جرأة، وكأنهم أصحاب الفكرة وصنّاع النص.
ترى أحدهم ينشر المقالة أو الخاطرة أو النص الأدبي، ثم يتلقى عبارات الإعجاب والثناء، ويتباهى بها أمام متابعيه، في حين أن ما نشره ليس سوى عمل مسروق، اقتُطع من صفحة كاتبه الأصلي، وأُعيد نشره من دون أدنى إشارة إلى صاحبه الحقيقي. والأدهى من ذلك أن بعض المتابعين يصدّقون هذا الادعاء، فيحسبون أن تلك النصوص ثمرة موهبته وإبداعه.
وما يزيد الأمر مرارة أن بعض هؤلاء من دائرة المعارف أو الأصدقاء، ممن تجمعنا بهم علاقات اجتماعية، فنقف أحياناً موقف الصمت تجنباً للإحراج أو حفاظاً على الود، رغم يقيننا بأن ما يفعلونه لا يمت إلى الأخلاق الثقافية ولا إلى الأمانة الأدبية بصلة. غير أن الصمت أمام هذا السلوك قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى تشجيع غير مباشر على استمرار هذه الظاهرة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يصرّ بعض مدّعي الثقافة والأدب على سرقة إبداعات الآخرين؟ ما الذي يدفعهم إلى هذا السلوك؟ وهل يظنون أن الشهرة تُبنى على النصوص المسروقة، أو أن المكانة الأدبية تُكتسب بانتحال جهود غيرهم؟
إن الإبداع لا يُقاس بعدد المنشورات، ولا بعدد الإعجابات والتعليقات، وإنما يُقاس بصدق الكلمة، وأصالة الفكرة، واحترام حقوق الآخرين. أما من يعجز عن إنتاج نص واحد من بنات أفكاره، ثم يلجأ إلى النسخ واللصق لينسبه إلى نفسه، فإنه لا يَخدع إلا من لا يعرف الحقيقة، بينما يبقى في نظر أصحاب المعرفة فاقداً لأبسط مقومات الأمانة الفكرية.
إن من المؤسف أن يتحول “النسخ واللصق” إلى وسيلة لادعاء الموهبة، وأن يظن بعضهم أن سرقة النصوص يمكن أن تمنحه صفة الكاتب أو المثقف. فالإبداع لا يُسرق، والموهبة لا تُنتحل، والكاتب الحقيقي يُعرف بأسلوبه وبصمته، لا بما يسطو عليه من أعمال الآخرين.
حقاً، إنه أمر يدعو إلى العجب؛ فلو أن هؤلاء بذلوا جزءاً من الوقت الذي يقضونه في البحث عن النصوص لسرقتها في تنمية قدراتهم والقراءة والكتابة، لكان ذلك أجدى لهم، وأحفظ لكرامتهم، وأقرب إلى احترام القارئ الذي يستحق الصدق قبل كل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى