بقلم : خبير_اقتصادي
عند تقييم أداء القادة السياسيين في مراحل الانتقال، يميل كثيرون إلى التركيز على الجوانب الخطابية أو المواقف السياسية الصدامية. غير أن قراءة التجربة السودانية بعد ثورة ديسمبر، من منظور اقتصادي، تفرض علينا الوقوف بتأنٍ عند تجربة الدكتور عبدالله حمدوك، لا بوصفه سياسيًا تقليديًا، بل كخبير اقتصادي قاد المرحلة الانتقالية في ظرف استثنائي محليًا ودوليًا.
⸻
اقتصادي بخبرة دولية في مواجهة اقتصاد هش
ينتمي حمدوك إلى جيل من التكنوقراط الذين تدرجوا في مؤسسات مالية واقتصادية إقليمية ودولية، مثل اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، ما منحه فهمًا دقيقًا لتعقيدات الاقتصاد الكلي، وواقع الدول النامية، وأدوات الإصلاح الممكنة ضمن المعادلات السياسية والاجتماعية الحساسة.
عند توليه رئاسة الوزراء، واجه اقتصادًا شبه منهار:
• تضخم جامح.
• فقدان الثقة في العملة الوطنية.
• قطاع مصرفي هش.
• عجز مزمن في الميزانية.
• تآكل في الإيرادات العامة بفعل اقتصاد موازٍ مهيمن عليه من قبل جهات أمنية وعسكرية.
• انعدام الدعم الدولي بسبب العقوبات والعزلة الطويلة.
⸻
إصلاحات اقتصادية في حقل ألغام سياسي
رغم محدودية سلطته التنفيذية في ظل الشراكة الهشة مع المكون العسكري، شرع حمدوك في إطلاق حزمة من الإصلاحات ذات طابع هيكلي تدريجي، يمكن تلخيص أبرز ملامحها في الآتي:
1. إعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي
من خلال التفاوض الناجح لإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما مهد الطريق لعودة التعاملات البنكية وفتح الباب أمام المساعدات والقروض التنموية.
2. استعادة العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية
تمكن من إعادة السودان إلى دائرة التفاعل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والحصول على تمويلات ميسّرة، بما في ذلك إعفاء جزء كبير من الديون عبر مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC).
3. تحرير سعر الصرف بشكل تدريجي
وهي خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنها ضرورية لإعادة الاتزان بين السوق الرسمي والموازي، وإنهاء تشوهات الدعم العشوائي.
4. بدء مشروع التحويلات النقدية المباشرة
عوضًا عن الدعم السلعي، طُرحت برامج مثل “ثمرات”، لتقديم دعم مباشر للأسر الأكثر حاجة، بما يقلل من الهدر ويزيد من الشفافية.
5. محاولة إعادة هيكلة المؤسسات المالية المحلية
بما في ذلك إصلاحات في البنك المركزي، وتحجيم نفوذ الشبكات الموازية التي ظلت تدير الاقتصاد من وراء الستار لعقود.
⸻
تحديات واجهت الإصلاح الاقتصادي
الإصلاح الاقتصادي لا يتم في فراغ، وكان حمدوك يعلم أن أي تغيير هيكلي سيصطدم بثلاثة عوائق رئيسية:
• رفض اجتماعي متوقع نتيجة ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية للمواطن، دون غطاء سياسي حقيقي أو تحالف مدني موحد يدافع عن المشروع الإصلاحي.
• غياب الإرادة السياسية المتكاملة، حيث لم تكن المؤسسة العسكرية، الشريك في الحكم، مهتمة بدفع كلفة التحول الاقتصادي طويل الأجل، بل كانت في كثير من الأحيان مستفيدة من الوضع القائم.
• ضعف البنية المؤسسية للدولة، بما يشمل غياب قواعد بيانات دقيقة، وفساد مزمن، وافتقار لأدوات تنفيذ فعّالة.
⸻
الاستقالة كفعل سياسي لا كفرار
من منظور اقتصادي، استقالة حمدوك لم تكن انسحابًا من المسؤولية، بل رفضًا للتحول إلى غطاء مدني لسلطة عسكرية لا تؤمن بمسار الإصلاح ولا تبذل جهدًا لتوفير الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي.
كان بإمكانه أن يستمر صامتًا، أو يتحول إلى مدير تنفيذي للقرارات العسكرية، لكنه اختار الانسحاب حين أصبحت البوصلة بلا اتجاه، والمشروع بلا غطاء.
⸻
الدرس الاقتصادي من تجربة حمدوك
ما حاول فعله حمدوك لم يكن “ثورة اقتصادية” بالمعنى الراديكالي، بل محاولة عقلانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتحويل الاقتصاد السوداني من وضع البقاء إلى مسار التعافي. ولعل أهم ما ميّزه:
• نظافة اليد.
• وضوح الرؤية.
• الوعي بالحدود الممكنة للتدخل الاقتصادي في ظرف سياسي غير مواتٍ.
ليس المطلوب تمجيده أو تحويله إلى رمز فوق النقد، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن حمدوك مثّل محاولة نادرة لتقديم مقاربة اقتصادية جادة في بيئة معادية لأي إصلاح حقيقي.
⸻
خاتمة: ماذا بعد حمدوك؟
إذا كانت البلاد ستشهد يومًا ما تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا، فإن أي مشروع مدني جاد سيكون مضطرًا للعودة إلى تجربة حمدوك، لا بالضرورة لتكرارها، بل للبناء على دروسها – نجحت أم فشلت – لأنها كانت، في النهاية، المحاولة الأقرب إلى المنطق الاقتصادي والعقل المؤسسي في تاريخ السودان الحديث.


