بعض دول الجوار التي ربطها التاريخ، وأحكمت الجغرافيا اتصال حدودها، ونسجت الديمغرافيا بينها وشائج المصاهرة والتداخل السكاني، تبدو أشبه بتوأم سيامي؛ يصعب عليه أن يظل ملتصقًا إلى الأبد، كما أن فصله هي مغامرة ليست مضمونة العواقب. فالبقاء على هذا الالتصاق يعقّد حركة كل طرف ويحد من استقلال خياراته، بينما قد يترك الانفصال أحدهما أو كليهما مثخنًا بالخسائر، وقد يبقى جزء من كل منهما عالقًا في الآخر.
وإذا تجاوزنا حدود التشبيه المجازي، وجدنا أن العلاقات بين الدول المتجاورة لا ينبغي أن تُدار وفق الانفعالات العابرة، أو تبدل أنظمة الحكم، أو التقلبات السياسية، ولا أن تُختطف بخطابات التحريض الأمني أو التهويل الإعلامي، الرسمي منه أو المستقل المنحاز. فهذه جميعًا قد تعمي الأبصار، وتحجب البصائر، وتدفع بالخلافات الرسمية إلى فضاءات الشعوب، فتغدو الخصومة أعمق من السياسة وأطول عمرًا منها.
ولذلك فإن استقرار علاقات الجوار لا يتحقق إلا بتأصيلها على أسس ثابتة؛ قوامها الندية بين الدول، واستقلال القرار الوطني، وتنظيم المصالح المشتركة عبر قوانين واتفاقيات راسخة لا تتبدل بتبدل الحكام أو تغير المزاج السياسي، وإنما تحفظ الحقوق، وتوازن بين الأخذ والعطاء، ليكون التعاون شراكة متكافئة لا منحة من طرف ولا تبعية لآخر، تمامًا كما يقوم داخل كل دولة مبدأ أن الواجب يقابله الاستحقاق.
ولعل التجربة الأوروبية تقدم مثالًا جديرًا بالتأمل؛ فقد سبقت المصالح الاقتصادية والتكامل الاجتماعي الخلافات السياسية، مع احتفاظ كل دولة بسيادتها وخصوصية قرارها. ولذلك استطاعت تلك المنظومة أن تحافظ على قدر معقول من الاستقرار، وأن تواجه أزماتها بالحوار والمراجعة المستمرة، لا بانفعالات اللحظة أو اندفاعات العاطفة.
إن الجغرافيا قدر لا يُغيَّر، والتاريخ لا يُمحى، وحسن إدارة الجوار هو وحده القادر على أن يجعل هذا القدر نعمةً لا نقمة، وشراكةً لا خصومة، ومستقبلًا مشتركًا لا نزاعًا دائمًا.
والله من وراء القصد.



