


بقلم:صلاح أحمد الحبو
في واحدة من تلك الليالي التي ينتصر فيها الحنين على المسافات، وتصبح المدن البعيدة أقرب إلى القلب من أي وقت مضى، اجتمع بعض من أبناء السودان ومحبو أم درمان بالمركز الثقافي السوداني بالعاصمة القطرية الدوحة في أمسية استثنائية نظمتها *رابطة أبناء أم درمان بدولة قطر*، احتفاءً بمدينة لا تزال تسكن الوجدان السوداني وتختزل في سيرتها تاريخ وطن بأكمله.
واستهلت الأمسية بكلمات استحضرت روح أم درمان وذاكرتها الجمعية، حيث افتتح عريف الندوة الدكتور صلاح الحبو اللقاء بنشيد المدينة الخالد:
«أنا أم درمان، أنا السودان،
أنا الدرة البزين بلدي،
أنا البرعاك سلام وأمان،
وأنا الفداك يا ولدي،
أنا أم درمان لسان حالك،
أريتك تدري بحالي، أنا القدرت أحوالك، وحبك بدري أو حالي، أقوم بأعظم الأدوار وأكون الساحة للثوار».
ثم استدعى وجدان الحاضرين بأغنية المدينة الخالدة:
«*طريت أم در، طريت ناسا… وكيف أنساها وأتناسا، أنا المفتون بظبى كناسا»*
واختار أن يهدي الحضور مفتاحاً آخر من مفاتيح أم درمان عبر كلمات ابنها البار *البروفيسور علي المك، الذي التصق اسمه بالمدينة وخلّدها في كتابه مدينة من تراب، حيث كتب*:
«سوف أتكلم عن أشياء كثيرة فيك وعنك… هذا الزقاق مثلاً، هناك مئات مثله أزقة، ليس طويلاً عريضاً فيسميه الناس باسم مغيب، وليس مشهوراً كزقاق العرديبة، ولا ذاك الزقاق المعرّف بالألف واللام، ولكنه زقاق والسلام».
وقرأ أيضاً:
«*يا زائراً مدينتي… وليس فضة مفتاحها مدينتي، مفتاح مدينة من طين، خلاصة الخلاصة من طمي النيل ورمل الصحراء*».
وقال عريف الندوة إنه سيقدم للحاضرين مفتاحاً من مفاتيح أم درمان، قبل أن يدعو إلى المنصة *البروفيسور الصادق الهادي عبد الرحمن المهدي* الاستاذ المشارك واستشاري الأمراض الباطنية والقلب وزميل كلية الأطباء الملكية بإدنبرة، ليقدم محاضرته الموسومة* «*أم درمان… الطريق الشاقي الترام: النشأة والتاريخ*»
حيث ، اصطحب *الدكتور الصادق الهادي* الحضور في رحلة تاريخية واجتماعية استند فيها إلى أبحاثه المستقلة وما سمعه نقلاً عن معاصرين لفترة نشأة أم درمان (البقعة)، العاصمة الوطنية التي ظلت عنواناً للهوية السودانية وذاكرتها الحية.
وقسّم المحاضر حديثه إلى ثلاث مراحل تاريخية؛ بدأ بأم درمان ما قبل التركية، مشيراً إلى وجود دلائل وحفريات تشير إلى استيطان الإنسان الأول للمنطقة، ثم انتقل إلى مرحلة أم درمان في العهد التركي، قبل أن يصحب الحاضرين في رحلة عبر «الطريق الشاقي الترام» إلى محطة أم درمان المهدية، وهي المرحلة التي شهدت التكوين الحقيقي للمدينة بما تحمله من تنوع وثراء اجتماعي وثقافي وإنساني.
وتوقف الباحث ملياً عند مرحلة المهدية، متتبعاً نشأة الأحياء وتكوينها الاجتماعي وأسباب تسمياتها، وكيف تحولت البقعة إلى عاصمة وطنية استقطبت السودانيين من مختلف الأقاليم، فصاغت نموذجاً فريداً للتعايش والتنوع الثقافي، وجعلت من أم درمان رمزاً للوطن السوداني بكل تعدده.
وفي فاصل غنائي شجي، ألهب *الفنان عبد الله الطاهر* مشاعر الحضور بأغانٍ ارتبطت بوجدان المدينة، فصدح بـ«طريت أم در… طريت ناسا» و«قدلة يا مولاي حافي حالق بالطريق الشاقي الترام»، لتتحول القاعة إلى مساحة وجدانية استدعت ذكريات أم درمان وسحرها القديم.
وأعقب المحاضرة نقاش ثري ومداخلات من الحاضرين الذين أضافوا إلى الأمسية أبعاداً جديدة من الذكريات والشهادات.
وكان الحضور نوعياً ومميزاً، يتقدمه *سعادة السفير بدر الدين عبد الله*, والقنصل حسن شريف، ورئيس رابطة الإعلاميين المخضرم بابكر عيسى، ورئيس رابطة القانونيين الدكتور عبد الباقي الجزولي، والدكتورة حياة صلاح الدين خوجلي رئيسة رابطة المرأة السودانية «سوا»، والباحث والإعلامي والأديب الموسوعي الأمين البدوي كاكوم، إلى جانب لفيف من الوجوه البارزة في مجتمع السودانيين بدولة قطر من مثقفين وباحثين ومبدعين، ضاقت بهم جنبات القاعة بينما اتسع لهم فضاء محبوبتهم أم درمان.
ولم تكن الندوة مجرد استدعاء لتاريخ مدينة أو استعادة لذكريات بعيدة، بل كانت احتفاءً بمعنى أم درمان نفسها؛ تلك المدينة التي اختزلت السودان في جغرافيتها وناسها وثقافتها، وظلت، رغم تعاقب الأزمنة وتقلب الأحوال، فضاءً مفتوحاً للثورة والإبداع والتسامح والحنين.
*وفي نهاية الأمسية بدا واضحاً أن أم درمان ليست مجرد مكان يُروى تاريخه، وإنما حالة وجدانية تسكن أبناءها أينما ارتحلوا، وذاكرة وطنية تستعصي على النسيان. فكلما ذُكرت أم درمان عادت الأزقة القديمة، وأصوات الباعة، وأناشيد الثورة، وعبق الطين بعد المطر، وعاد معها ذلك الخيط السري الذي يربط السودانيين بوطنهم الأول. ولذلك ظل «الطريق الشاقي الترام» أكثر من مجرد عنوان لمحاضرة؛ إنه استعارة لرحلة مدينة صنعت التاريخ، ومدينة من طين ما تزال تصنع المعاني وتلهم أبناءها أينما كانوا*.
:::



