✍ بقلم: د. سارة المهدي :
في تصريح مفاجئ أثار الكثير من التساؤلات، أعلن وزير التجارة والصناعة المصري، المهندس أحمد سمير، عبر الإذاعة القومية المصرية، عن فتح قنوات تواصل مع الفريق عبد الرحيم دقلو، قائد ثاني قوات الدعم السريع، بهدف “دفع عجلة السلام” بين مصر والسودان، أو كما قالها الوزير بصيغة مباشرة: “لدفع عجلة السلام الماضية الآن على مستوى الإدارة الأمريكية والمملكة العربية السعودية”.
هذا التصريح – إن صح – لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، لأنه يحمل في طياته ما هو أبعد من مجرد حوار دبلوماسي أو تعاون تجاري، بل يكشف بشكل واضح أن مصر لم تعد تنتظر ما ستؤول إليه مخرجات الحرب في السودان، بل بدأت فعليًا في صياغة خارطة مصالحها الخاصة، وفقًا لما تراه مناسبًا لمستقبلها الاقتصادي، ولو على حساب الدولة السودانية الموحدة.
المصالح لا تنتظر نهاية الحروب
لم يخفِ الوزير المصري أن الحرب في السودان كانت كارثية على الاقتصاد المصري، واصفًا العامين الماضيين بأنهما “أسوأ فترة تجارية تمر على مصر منذ أكثر من مائة عام”، حيث تضرر قطاع الصناعات التحويلية المصري بخسائر تفوق 45 مليار دولار، عبارة عن شروط جزائية فرضتها شركات أوروبية وخليجية وأمريكية نتيجة تأخر أو انقطاع سلاسل الإمداد من السودان.
من اللحوم الحية، إلى المنتجات الزراعية، إلى المعادن والرمال النادرة شمال السودان – بدا وكأن الوزير يعرض قائمة كنوز السودان المفقودة والتي كانت تغذي المصانع المصرية وتضمن تدفق العقود والعوائد بالعملة الصعبة.
دبلوماسية الموارد تحت غطاء “السلام”
حديث الوزير عن بروتوكول “تجاري أمني” يضمن انسياب المنتجات السودانية إلى مصر، ليس فقط إشارة إلى التعاون الاقتصادي، بل هو اعتراف ضمني بوجود ترتيبات مباشرة مع أطراف خارج إطار الدولة السودانية الرسمية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
حينما تتعامل دولة بحجم مصر مع قوات الدعم السريع بشكل مباشر، وتسعى لتنسيق أمني وتجاري معها، فإن ذلك يعني بالضرورة منح هذه القوات شرعية أمر واقع، تتجاوز المؤسسات الرسمية والمجتمع الدولي.
ولأن السياسة لا تُقال دومًا بصريح العبارة، فإن استخدام عبارات مثل “دفع عجلة السلام” و”توفيق الأوضاع الحدودية” ما هي إلا تغليف دبلوماسي لمشروع شراكة براغماتية: أنتم تسيطرون على الأرض، ونحن نحتاج الموارد – _فلنتفاهم_ .
الرمال النادرة… وسكوت العالم
من أكثر ما شد الانتباه في التصريح، إشارة الوزير إلى الرمال النادرة شمال السودان – وهي ثروات طبيعية تدخل في صناعات استراتيجية مثل الإلكترونيات الدقيقة والمفاعلات النووية – ويبدو أن الشركات العالمية كانت قد أبرمت بالفعل عقودًا مع مصر لتصنيع هذه المواد، بالاعتماد على تصديرها من السودان.
هذا يعني أن هناك مصالح اقتصادية ضخمة كانت تسير تحت السطح، دون علم أو استفادة حقيقية من السودان كدولة، بل كمورد خام يُنهب في صمت.
_بين الشرعية والمصالح_
السؤال المحوري هنا: إذا كانت دولة كمصر – بكل ثقلها الإقليمي – تتجه نحو التعامل المباشر مع الدعم السريع، فماذا تبقى من فرص وحدة السودان؟
هل ستقف الدول الأخرى (الخليج، تركيا، روسيا، الصين) مكتوفة الأيدي، أم ستنضم هي الأخرى إلى سباق “تطبيع المصالح” مع الفاعلين على الأرض، لا مع المؤسسات الشرعية؟
وفي ظل هذا الواقع، هل يمكننا أن نلوم القاهرة وحدها؟ أم أن اللوم الحقيقي يقع على ضعفنا، على غياب الدولة السودانية الجامعة، وعلى الحريق الممتد الذي أكل أطراف السيادة وتركها نهبًا لكل من هب ودب؟
خاتمة المطاف:
الوزير المصري لم يقل الكثير، لكن ما قاله يكشف كل شيء.
والرسالة وصلت بوضوح والخلاصة:
“السودان لا يزال مهمًا لمصر… ولكن ليس كدولة، بل كمخزن موارد يجب أن يفتح أبوابه بأي طريقة، وبأي ثمن.”
.. د. سارة المهدي ~ كوالالمبور



