”
كتب: معاوية أبوالريش
“من الغباء أن أدافع عن وطن لا أملك فيه بيتاً”… هكذا صرخ محمد الماغوط بصوته الشعري الجارح، ليكشف زيف الشعارات التي يُزين بها الساسة نعوش الفقراء. وها هي كلماته تتردد اليوم في كل الدول التي نزح إليها السودانيون فراراً من جحيم الحرب وويلاتها، في أزقة الخرطوم المظلمة، في المستشفيات التي تعج بمرضى حمى الضنك والملاريا، في قلوب الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن على مذبح “الكرامة” الزائفة و”الانتماء” المقدس.
حرب الكرامة المزعومة: عندما يشعل المجرم النار ثم يدعي أنه رجل الإطفاء: يسمونها “حرب كرامة”، يلفونها بأوراق الشرف والوطنية، يطلونها بألوان البطولة والتضحية. لكن الحقيقة المرة التي يعرفها كل سوداني صادق مع نفسه: هم من أشعلوا فتيل هذه الحرب العبثية. فلول النظام البائد هم من أوقدوا النار في كل بيت سوداني ، ثم وقفوا على الأنقاض يصرخون: “دافعوا عن كرامتكم!” إنها مهزلة سوداء: أن يحرق اللص البيت ثم يطالب أهله بإطفاء النار بدمائهم.
أشعلوا حرباً دموية عبثية لهدف واحد: استعادة السلطة المفقودة التي أضاعوها بفسادهم وطغيانهم. راح ضحيتها آلاف الأبرياء، دُمرت المدن، تشرد الملايين، وتحول السودان إلى جحيم. لكنهم يقفون اليوم يخدعون السذج والبسطاء من السودانيين بشعارات الكرامة والشرف، كأن الكرامة تُبنى على جماجم الأطفال وأشلاء النساء.
أين أبناء دعاة الكرامة؟
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إن كانت حقاً حرب كرامة، فأين أبناء هؤلاء الشرفاء؟ أين عائلاتهم؟ الجواب بسيط ومؤلم: في أنقرة، في الدوحة، في كوالالمبور، يتمتعون بالأمان الذي سلبوه من شعبهم، ينفقون الأموال التي نهبوها من خزينة الوطن المنهوب، يدرسون في أفخم الجامعات، يتسوقون في أرقى المحلات. كرامتهم محفوظة في حسابات بنكية بالدولار، بينما كرامة الشعب السوداني تُداس يومياً في طوابير الخبز والماء.
“عندما يبتلى الوطن بالحرب ينادون الفقراء ليدافعوا عنه”
هذه العبارة للماغوط تختصر المأساة السودانية بدقة مخيفة. الفقراء والبسطاء هم من يُدفعون إلى جبهات القتال تحت شعارات الكرامة الزائفة. هم من يموتون تحت القصف، هم من يُطلب منهم “الزود عن حمى الوطن” بينما أصحاب الدعوات وأبناؤهم يحتسون القهوة في مقاهي إسطنبول الفاخرة.
الانتماء، كما قال الماغوط، “كذبة اخترعها الساسة لنموت من أجلهم”، وها هي الكذبة ذاتها يعاد تدويرها في السودان تحت مسمى جديد: “حرب الكرامة” لكن أي كرامة هذه التي تبنى على خداع السذج والبسطاء؟ أي كرامة تلك التي يدعو إليها من أشعل الحريق ثم اختبأ خلف ظهور الفقراء؟ الحقيقة المرة أن هذا الصراع ليس إلا محاولة يائسة لتأمين عودة الفلول إلى كراسي السلطة، متسترين خلف الجيش السوداني، مستغلين بساطة الناس وحبهم لوطنهم.
العودة الطوعية: دعوة إلى الموت البطيء باسم الكرامة:
والآن، بعد أن خرج الجنجويد من الخرطوم، يُطلق الفلول دعواتهم الساخرة للسودانيين في الخارج: “عودوا إلى الوطن”، “عودوا لتستعيدوا كرامتكم” يخدعون البسطاء بأن العودة واجب وطني وشرف قومي، متجاهلين الواقع المرير.
يعودا إلى أين؟ إلى مدينة بلا ماء نظيف، بلا كهرباء، بلا أدنى مقومات الحياة الكريمة؟ أي كرامة في أن يموت الإنسان من حمى الضنك والملاريا الخبيثة؟ أي شرف في أن تُباع المحاليل الطبية في السوق السوداء بأسعار فلكية لا يقدر عليها إلا الناهبون أنفسهم؟ أي وطنية في أن يشاهد الأب أطفاله يموتون جوعاً ومرضا أمام عينيه؟
خداع السذج والبسطاء: الكرامة المزيفة:
يستغل الفلول بساطة الناس الطيبين، يلعبون على وتر المشاعر الوطنية النبيلة، يحولون حب السودانيين لوطنهم إلى فخ قاتل. يقولون: “من لا يعود فهو خائن”، “من يبقى في الخارج فقد باع كرامته”. لكنهم لا يقولون إن أبناءهم مازالوا في تركيا وقطر، لا يذكرون أن حساباتهم البنكية في دبي وجنيف، لا يعترفون بأنهم هم من أشعلوا هذه الحرب اللعينة.
إنهم يخدعون البسطاء بوعود جوفاء، يبيعونهم أوهام الكرامة بينما الحقيقة أن الكرامة الحقيقية هي أن يعيش الإنسان بكرامة، أن يأكل ويشرب ويعالج أطفاله، لا أن يموت في حرب لم يشعلها ولا يستفيد من نتائجها.
“من لم يموت بالسلاح يموت بالمرض”
الموت في السودان اليوم متعدد الأوجه: بالرصاص، بالجوع، بالمرض، بالإهمال، بالغلاء الفاحش، بجشع التجار. السودانيون والسودانيات يموتون بالمئات، بينما فلول النظام البائد وأبناؤهم ينعمون بما سرقوه من دماء الشعب ومقدراته. إنها المفارقة الأكثر قسوة: أن يطالبك من تسبب في نهب بيتك بالعودة للدفاع عن أنقاضه باسم الكرامة، أن يدعوك من سرق قوت أبنائك للموت جوعاً ومرضاً باسم “الانتماء”
حتى الماء النظيف أصبح حلماً بعيد المنال، والكهرباء أضحت رفاهية من الماضي، وكل شيء يُباع بأسعار خيالية لا يقدر عليها إلا من نهب الوطن. والمحاليل الطبية التي قد تنقذ حياة طفل من حمى الضنك تُباع في السوق السوداء بأثمان فلكية، كأن حياة الفقراء لا قيمة لها.
“من الغباء أن أضحي بنفسي ليعيش أطفالي من بعدي مشردين”
الماغوط لم يكن عدمياً أو خائناً، بل كان واقعياً بشكل مؤلم. الأب الذي يموت في حرب عبثية – حرب لم يشعلها بل أشعلها الفلول – لا يخلف إلا أطفالاً مشردين وأرملة تواجه الذئاب وحدها. هذه ليست كرامة، بل انتحار جماعي مغلف بشعارات براقة.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني بسيط خُدع بشعارات الكرامة: لمن نموت؟ لوطن تنعدم فيه أبسط مقومات الحياة؟ لساسة أشعلوا الحرب ثم يتاجرون بدمائنا ويحولونها إلى فيلات في أنقرة وحسابات بنكية في دبي؟ أي كرامة هذه؟
“من العار أن أترك زوجتي فريسة للكلاب من بعدي”
هذا ما يقوله الماغوط، وهذا ما يحدث بالفعل. كم من أرملة سودانية تُركت وحيدة بعد موت زوجها في حرب لم يختر خوضها؟ كم من طفل يتيم يتضور جوعاً بينما أبناء الفلول يدرسون في أفخم المدارس؟ الكرامة الحقيقية هي أن يحمي الرجل عائلته، لا أن يتركها فريسة للجوع والمرض والإهمال باسم شعارات جوفاء اخترعها من أشعل الحرب.
الوطن الحقيقي: حيث الحياة لا الموت
“الوطن حيث تتوفر مقومات الحياة لا مسببات الموت”… هذه ليست خيانة، بل أقصى درجات الوطنية الحقيقية. الوطن الحقيقي ليس جغرافيا نموت من أجلها بناءً على خداع السذج، بل مكان يستحق أن نعيش فيه بكرامة حقيقية.
الوطن الذي يقدم لأبنائه الموت والمرض والجوع والغلاء والإهمال، بينما يتمتع من أشعل الحرب بالرفاهية في الخارج، ليس وطناً بل مقبرة جماعية يديرها تجار الحروب ومخادعو البسطاء. الكرامة الحقيقية ليست في الموت من أجل من خانك، بل في العيش لأجل من تحب.
“وعندما تنتهي الحرب ينادون المسؤولين ليتقاسموا الغنائم”
وحين تنتهي هذه الحرب العبثية، وحين يتوقف نزيف الدم السوداني، من سيجلس على طاولة المفاوضات؟ من سيتقاسم الغنائم؟ بالتأكيد ليس أمهات الشهداء الذين ماتوا مخدوعين بشعارات الكرامة، ليس الأرامل، ليس الأطفال المشردين، ليس السذج والبسطاء الذين صدقوا الكذبة.
بل سيكون هناك الفلول أنفسهم – الذين أشعلوا الحرب – بوجوههم المنتفخة وبطونهم الممتلئة، يتقاسمون ما تبقى من وطن منهوب، يتصافحون أمام الكاميرات، يتحدثون عن “الكرامة” و”النصر”، بينما دماء الشعب السوداني البسيط لم تجف بعد على التراب.
الخلاصة المرة: نحن الخاسرون دائماً، وهم الرابحون دائماً:
“الوطن لا يخسر أبداً، نحن الخاسرون”… هذه هي الحقيقة العارية التي لا يجرؤ الفلول على الاعتراف بها. الوطن، كفكرة مجردة، سيبقى على الخرائط، لكن أبناءه الحقيقيين – الفقراء والبسطاء والسذج المخدوعين – هم من يدفعون الثمن. هم من يفقدون البيوت والأحبة والأحلام والأرواح. هم من يموتون بينما الفلول يعيشون، هم من يجوعون بينما الناهبون يتخمون.
الكرامة الحقيقية ليست في أن تُخدع بشعارات براقة يطلقها من أشعل الحريق. الكرامة الحقيقية في أن تحمي عائلتك، في أن توفر لأطفالك الماء النظيف والدواء والطعام، في أن ترفض أن تكون وقوداً لحرب أشعلها المجرمون ليستعيدوا سلطتهم المفقودة.
فلنتوقف إذن عن تقديس الموت المزيف، ولنبدأ في تقديس الحياة الحقيقية. الوطن الذي لا يحمي أبناءه البسطاء بل يخدعهم بشعارات الكرامة الزائفة، لا يستحق أن يموتوا من أجله. والانتماء الذي يتطلب دمك بينما يحفظ دماء الناهبين وأبنائهم ليس انتماءً، بل انتحاراً جماعياً باسم الشعارات الجوفاء التي اخترعها من أشعل الحرب لخداع السذج والبسطاء.
الشعب السوداني العظيم يستحق أفضل من هذا. يستحق وطناً حقيقياً لا كذبة ملفوفة بشعارات الكرامة. يستحق قادة صادقين لا مجرمين يشعلون الحروب ثم يختبئون في الخارج. يستحق كرامة حقيقية لا موتاً مجانياً باسم كرامة مزيفة.
عودوا إلى الجحيم؟ لا، شكراً.
الحياة، مهما كانت قاسية في المنفى، أشرف ألف مرة من الموت في وطن يديره من أشعله ناراً. الكرامة الحقيقية في أن تعيش لأجل أطفالك، لا أن تموت لأجل من خدعك. وأي سوداني بسيط يُدعى للعودة يجب أن يسأل نفسه سؤالاً واحداً: أين أبناء من يدعونني للعودة؟ وحين يعرف الجواب، سيدرك أن الماغوط كان على حق، وأن الكرامة الحقيقية ليست في الموت على مذبح الكذبة الكبرى.



