
*البروفيسور إبراهيم أحمد غندور*
*قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}*
*وقال رسول الله ﷺ: “الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَه، وعَمِلَ لِما بعدَ الموتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَه هَواها، وتَمَنَّى على اللهِ الأمانِيَّ”*
*إلى من بيدهم قرار السلم والحرب الآن،*
إنكم اليوم على مفترق الطريق: طريق التبصر والمراجعة، وطريق الندم الذي لا ينفع صاحبه بعد فوات الأوان، يوم يقول الخاسرون {يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}. فإياكم أن تكونوا ممن تصفهم الآية: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا}
وحقيقة الآن
إننا ننزلق بخطى حثيثة ومتسارعة نحو أفق انسدادي لا تحده معالم، تدفعنا إليه نواميس قدرية قاهرة لم يكن لنا فيها رأي ولا خيار، لأن قرار إشعال فتيل الحرب قد تم اختزاله سلفاً داخل غرف القرار الضيقة لدوائر الاستعجال السياسي والارتداد السلطوي، ممن يتخذون المصائر الكبرى في غياب تام عن منصةالشوري العقلانية الاستراتيجية، وتحت هيمنة نزعة تعنتية عمياء صماء، معطلة لآليات المراجعة، ومغلقة أمام منطق الاستبصار.
وفلقد ارتكبتم، فوق ذلك كله، خطيئة التقدير الاستراتيجي القاتلة: أخطأتم التقدير في سباحتكم عكسية تيار الأسرة الدولية، فاخترتم المواجهة مع المجتمع الدولي في لحظة تاريخية لا تحتمل المغامرة، وظنتم أن العزلة الدولية يمكن احتواؤها بإرادة محلية، وهو وهمٌ فادح ستتكفل الأيام بكشفه.
ولم تدركوا أن ثمن هذا المسار لن يُدفع في ساحة المعركة وحدها، بل سيُستوفى كاملاً في ميادين العقوبات المقننة، والحصار الدبلوماسي الممنهج، وتجميد الأرصدة، وقطع شرايين الاقتصاد الوطني. إنكم تقودون البلاد إلى نفقٍ لا مخرج له إلا بفاتورة سيادية باهظة، يدفعها الوطن والمواطن معاً، بينما تظلون أنتم في منأى عن تبعات قراركم بل والله سينزل علي شخوصكم.
لقد دوّت أصواتنا بالإنذار، وصدحت بالمناشدة، مستندين إلى مخزوننا من الحكمة التجريبية والذاكرة السياسية: توقفوا، أعيدوا النظر في قرار الحرب. إنكم مقبلون على مسار كارثي. فالحرب في سياقها الراهن لن تكون مجرد اختبار للقوة، بل ستكون معول هدم قاصم، وضربة استراتيجية موجعة تستهدف البنية العسكرية الصلبة لكتلتنا، وتزل المنظومة المالية الراسخة التي قامت على عقود من التراكم المؤسسي، وتحدث شرخاً بنيوياً في صلابة تماسكنا السياسي الذي تأسس عبر تراكم تاريخي طويل، بُني بعرق المجاهدين وتضحيات الرجال.
غير أن المفارقة المرة، أن نصح الناصحين قوبل بالتجاهل، وأن صوت التحذير المبكر تمت مصادرته. بل تمت معاملتنا بمنطق الاستبعاد المعرفي، وصُنفنا في خانة “المتخلفين عن الركب”، و”الخوالف” الذين لا وزن لتقديرهم، ولا قيمة لرؤيتهم الاستشرافية في ميزان القوى الطاغي.
لقد كنا على إدراك تام بأن معادلات الزمان والمكان قد تحورت تحوراً جذرياً، وأن شروط الأمس لم تعد صالحة لليوم. وأن سراب استعادة السلطة عبر بوابة المواجهة العسكرية و البندقية لن يقود إلى مقاعد الحكم، بل سيقود حتماً إلى إسدال الستار النهائي: إلى مقبرة التاريخ، وإلى لعنة النسيان الأبدي.
*اللهم إني قد بلغت فشهد.*
*بروف إبراهيم أحمد غندور*
*الأربعاء 1 يوليو 2026 م*



