


#روما،✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في تقاطع مدهش بين وهج الملاعب ووهج القنابل، يكتب محمود درويش عن كره القدم كانها ليست مجرد لعبه، بل فعل وجودي ينتصر على الموت ولو لدقائق. العلاقه بين الادب والرياضه هنا ليست ترفا او استطرادا، بل التصاق حميمي بواقع يعيشه الانسان الفلسطيني تحت الحصار، حيث تتحول المباراه الى هدنه انسانيه، والى مساحه للتنفس داخل زحمه الخوف.
ودرويش، الذي راهن دوما على الشعر لمواجهه النسيان، يكتشف ان كره القدم قادره على ما يعجز عنه احيانا الشعر: ان توقظ شارعا مات، وان تحول الصواريخ الى مجرد ذباب مزعج. في هذا النص، يمارس درويش لعبه مزدوجه: يرصد بطوله ايطاليا في كاس العالم ١٩٨٢ على الاراضي الاسبانيه، وفي الوقت نفسه يرصد بطوله المحاصرين في بيروت في التمسك بالحياة. يصبح “باولو روسي” شبيها بالطائره القاذفه، لكن بقدره مختلفه: لا تدمر، بل تخلق فرحا.
واليوم، ومع انطلاق كاس العالم ٢٠٢٦ في امريكا والمكسيك وكندا، وقد وصلت البطوله الى الدور الثاني، تتصاعد الحماس في الملاعب وتشتعل المنافسات بين اقوى المنتخبات. ملاعب شاسعه وجماهير غفيره وتقنيات متطوره، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تغير شيء؟ فبينما تستعد الملاعب لاستقبال الجماهير في ادوار الاقصاء المثيره، لا تزال الاراضي الفلسطينيه تحت الحصار والقصف، ولا يزال الفلسطينيون في غزة يبحثون عن بطاريه سياره يشاهدون من خلالها مباريات المونديال في بيوتهم المهدمة درويش لم يكتب فقط عن بيروت ١٩٨٢، بل كتب عن كل زمان ومكان يعيش فيه انسان تحت القهر، يبحث عن ساعه ونصف من النسيان، عن لحظه فرح توقف فيها صواريخ الموت لتحل محلها صيحات “غوووول”.
وهكذا، يمنحنا درويش درسا في ان الرياضه قد تكون، في لحظات القصوى، ملاذا للروح ونافذه يطل منها الانسان على ما تبقى من براءه في عالم يلفه الرصاص. الادب هنا ليس مجرد توثيق، بل مشاركه في صنع المعنى، والرياضه ليست مجرد تسليه، بل مقاومه رمزيه تعيد للجسد حركته وللروح املها. درويش يكتب عن كره القدم كمن يكتب عن الحب، وعن الحرب كمن يكتب عن العبث، ليخلق من التناقض نصا فريدا يذكرنا بان الانسان، حتى في اقصى لحظات القهر، يظل قادرا على انتزاع فرحه الصغير من قلب الموت الكبير. ومن مونديال ١٩٨٢ في اسبانيا الى مونديال ٢٠٢٦ في امريكا والمكسيك وكندا، وهي الان في دورها الثاني، تظل المعركه نفسها: معركه البشرى على وحشيه الحصار، وكره القدم على قسوه الرصاص.
ورغم رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش في ٩ اغسطس ٢٠٠٨ عن عمر يناهز ٦٧ عاما، تبقى كلماته حاضره كالنبض الذي لا يموت. فما كتبه عن كره القدم والحصار تجاوز زمنه ليصبح شاهدا على استمرار المعاناه، ودليلا على ان الادب يستطيع ان يختزل الحكايه الانسانيه في تفاصيلها الصغيره. درويش رحل، لكن صوته ما زال يصدح في كل بيت مهدم يبحث عن بطاريه سياره لمشاهده المونديال، وفي كل شارع حسبناه مات من الخوف والضجر، ثم عاد الى الحياة بفضل ساحه مستديره وقدرتها على صنع المعجزات. يقول محمود درويش:
«ونحن ايضا نحب كره القدم، ونحن ايضا يحق لنا ان نحب كره القدم. ويحق لنا ان نرى المباراه، لم لا؟… لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟ في احد الملاجئ استطعنا استيراد الطاقه الكهربائيه من بطاريه سياره. وسرعان ما نقلنا «باولو روسي» الى ما ليس فينا من فرح. رجل لا يرى في الملعب الا حيث ينبغي ان يرى. شيطان نحيل لا تراه الا بعد تسجيل الهدف، تماما كالطائره القاذفه لا ترى الا بعد انفجار اهدافها. وحيث يكون باولو روسي يكون «الغوول»، يكون الهتاف، ثم يختفي او يتلاشى ليفتح مسارب الهواء من اجل قدميه المشغولتين بطهو الفرص وانضاجها وايصالها الى اوج الرغبه المحققه. لا تعرف ان كان يلعب الكره ام يلعب الحب مع الشبكه. الشبكه تتمنع، فيغويها ويغاويها بفروسيه ايطاليه انيقه على ملعب اسباني حار. ويغريها بانزلاق القطط الهائجه المائجه على صراخ الشهوه، وعلى مرأى من حراس العرض المصون الذين يعيدون اغلاق بكاره الشبكه بغشاء من عشره رجال. يتقدم باولو روسي بكامل الشبق، يتقدم لاختراق شبكه قابله للنيل من عضله هواء مرتخيه عجزت عن المقاومه، فاستسلمت لاغتصاب جميل. كره القدم، ما هذا الجنون الساحر، القادر على اعلان هدنه من اجل المتعه البريه؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ الى ذباب مزعج! وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعه ونصف الساعه، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسه الشعر والنبيذ واللقاء الاول مع امراه مجهوله… وكره القدم هي التي حققت المعجزه، خلف الحصار، حين حركت الحركه في شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر».



