🛑 التيار الإسلامي العريض في السودان: تحالف الضرورة بين الدين والسياسة
قراءة تحليلية في الجذور التاريخية للحرب وتحوّلات العلاقة بين الجيش والدعم السريع

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 21 أبريل 2026
📜 مقدمة
لا يمكن فهم الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بمعزلٍ عن السياق التاريخي والسياسي الذي تشكّلت فيه الدولة السودانية خلال العقود الثلاثة الماضية.
فما يبدو اليوم صراعًا عسكريًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، هو في حقيقته نتيجة تراكماتٍ معقّدة لتداخل الدين بالسياسة، والتنظيم بالدولة، والسلاح بالسلطة.
وفي قلب هذا المشهد، برز ما يُعرف بـ”التيار الإسلامي العريض” بوصفه أحد أبرز الفاعلين في إعادة تشكيل الاصطفافات السياسية والاجتماعية خلال المرحلة الانتقالية وما بعدها.
📜 أولًا: التيار الإسلامي العريض… تحالف متباين لا وحدة فكرية
لا يمثّل هذا التيار كتلةً فكريةً متجانسة، بل هو تحالفٌ ظرفيٌّ ضمّ أطرافًا متباينة، من بينها:
بقايا الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني
تيارات سلفية ذات طابع دعوي
مجموعات صوفية مرتبطة تقليديًا بالبنية الاجتماعية والسياسية
واجهات أكاديمية وإعلامية ذات خطاب تعبوي
وقد جمع هذه الأطراف عاملٌ مشترك، يتمثّل في الخوف من تفكيك منظومة النفوذ التي تأسست منذ عام 1989، أكثر من كونه التقاءً حول مشروع فكري أو إصلاحي موحّد.
ومع طرح مشاريع التحول المدني، وما تضمّنته من إعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها، برز هذا التيار في موقع الرافض، باعتبار أن تلك التحولات تهدد توازناته ومصالحه المتراكمة.
📜 ثانيًا: الجيش السوداني بين المهنية والتسييس (1989–2026)
ظل الجيش السوداني تاريخيًا أحد أعمدة الدولة الوطنية، غير أن مرحلة ما بعد 1989 شهدت تداخلًا متزايدًا بين المؤسسة العسكرية والتنظيم السياسي الحاكم آنذاك.
وقد أدّى هذا التداخل إلى:
إدخال اعتبارات الولاء السياسي في بعض مفاصل المؤسسة
تقليص المسافة بين القرار العسكري والسياسي
ظهور هياكل موازية للأمن خارج التسلسل التقليدي
ورغم ذلك، حافظت قطاعات داخل الجيش على نزعتها المهنية، ما خلق حالةً من التوازن الداخلي بين منطق الدولة ومنطق السلطة.
وبعد ثورة ديسمبر 2019، دخل الجيش في مرحلة انتقالية معقّدة، اتسمت بالشراكة مع القوى المدنية من جهة، وبالتنافس مع قوات الدعم السريع من جهة أخرى، في ظل غياب رؤية متفق عليها لإعادة بناء المؤسسة العسكرية.
📜 ثالثًا: الدعم السريع… من أداة أمنية إلى فاعل مستقل
نشأت قوات الدعم السريع في سياق النزاعات المسلحة في دارفور، كقوةٍ ذات طبيعة خاصة خارج البنية التقليدية للجيش.
ومع مرور الوقت، تطورت هذه القوة لتصبح:
فاعلًا عسكريًا مستقلًا نسبيًا
صاحب نفوذ اقتصادي
طرفًا في المعادلة السياسية
وقد انتقلت العلاقة بينها وبين الدولة من التبعية، إلى الشراكة بعد 2019، ثم إلى التنافس، وصولًا إلى الصدام المسلح في 2023.
📜 رابعًا: من الشراكة إلى الحرب
أفرزت المرحلة الانتقالية وضعًا غير مستقر، تمثّل في وجود قوتين عسكريتين رئيسيتين داخل الدولة، لكلٍ منهما رؤيته ومصالحه.
ومع تصاعد الخلافات حول قضايا جوهرية، أبرزها:
إصلاح القطاع الأمني والعسكري
دمج القوات
مستقبل الحكم المدني
تراكمت عوامل التوتر حتى تحوّلت إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، كشفت هشاشة البنية المؤسسية للدولة السودانية.
📜 خامسًا: الخطاب الديني ودوره في تشكيل المواقف
برز خلال هذه المرحلة دورٌ ملحوظ لبعض الخطابات الدينية التي دعمت مواقف التيار الإسلامي العريض، أو على الأقل لم تعارضها بوضوح.
ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل، منها:
الخوف من الفوضى والانهيار
الخلط بين الدين والتنظيم السياسي
تأثير الخطاب التعبوي
قراءة انتقائية لبعض النصوص الشرعية
وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى تراجع حضور القواعد الكلية المتفق عليها في الفقه الإسلامي، مثل:
تقديم حفظ النفس
والسعي للصلح
ودرء المفاسد
📜 سادسًا: تحولات مواقف بعض العلماء والفاعلين الدينيين
من اللافت أن بعض الشخصيات التي عُرفت سابقًا بمواقف نقدية تجاه السلطة، وجدت نفسها لاحقًا ضمن هذا الاصطفاف.
ويُفسَّر ذلك في ضوء:
تحوّل الصراع إلى إطار هوياتي
تنامي المخاوف من البدائل السياسية
تأثير الشبكات الاجتماعية والتنظيمية
إعادة تأطير المشهد إعلاميًا
وهو ما يعكس تعقيد المشهد أكثر من كونه تحولًا بسيطًا في المواقف.
📜 سابعًا: الدعاية وتأثيرها على الرأي العام
لعبت الحملات الإعلامية دورًا كبيرًا في تشكيل الصورة الذهنية عن ثورة ديسمبر وقواها، حيث تم:
تضخيم حالات فردية
تعميم سلوكيات محدودة
ربط الحراك الثوري بمواقف مناهضة للقيم الدينية
وقد أسهم ذلك في إضعاف الحاضنة الاجتماعية للثورة، خاصة في الأوساط المحافظة، رغم أن كثيرًا من هذه الصور لم يكن يعكس الواقع بدقة.
📜 ثامنًا: موقف المجتمع… بين الدين والسياسة
تأثرت قطاعات واسعة من المجتمع بخطابٍ قدّم الصراع في إطار ديني مبسّط، في ظل:
محدودية المعلومات
الثقة في المرجعيات الدينية
الخوف من فقدان الهوية
مما أدى إلى اصطفافات لم تكن دائمًا مبنية على فهمٍ كاملٍ لطبيعة الصراع السياسية.
📜 خاتمة
تكشف الحرب في السودان عن أزمةٍ عميقة في بنية الدولة، تتجاوز الصراع العسكري إلى إشكاليات تتعلق بعلاقة الدين بالسياسة، والعسكر بالمدنيين، والتنظيم بالدولة.
وإذا كان من درسٍ يمكن استخلاصه من هذه التجربة، فهو أن بناء دولة مستقرة يتطلب:
فصلًا واضحًا بين المؤسسات
وإدارةً متوازنة للعلاقة بين الدين والسياسة
وإعلاءً لقيم السلام وحفظ الأرواح
بعيدًا عن توظيف الأزمات في صراعات النفوذ.
#السودان
#الحرب_في_السودان
#الدولة_المدنية
#تحليل_سياسي
#محمد_الفاتح_حضرة



