فك الحياد في الفاشر: جريمة إبادة ومسار أرض محروقة… ونصيحة أخيرة لأهلي قبل أن يصبحوا وقود حرب الإخوان
انعام محمدين
فك الحياد في الفاشر لم يكن خطوة لحماية المدنيين ولا موقفا شجاعا كما حاولوا أن يبيعوه للناس، بل كان بوابة واسعة لمسار إبادة جماعية ضد مدينة كاملة وضد مجتمعين محددين من أهل دارفور. كانت الفاشر تحت حصار طويل وهجمات متكررة بلا سلطة مدنية تحمي أهلها، حتى خرج مني أركو مناوي حاكما للإقليم يرفع شعار الحياد ويقسم أنه لن ينجر إلى الحرب، ثم مزق هذا الشعار بقرار واحد أدخل الفاشر رسميا في حرب الجيش الكيزاني وجعل أهلها وقودا لمعركته.
التقارير الدولية عن الفاشر وصفت ما جرى بأنه قتل بدوافع عرقية وإعدامات ميدانية واغتصاب منظم وتجنيد قسري، وأكدت أن أحداث أكتوبر تحمل مؤشرات على مسار إبادي ضد مجتمع الفور والزغاوة. هذه التقارير لم تصدر من خصوم سياسيين، بل من جهة محايدة وثقت ما صنعته قرارات فك الحياد وتشكيل القوة المشتركة على الأرض، وكيف تحولت المدينة من منطقة كان يمكن حمايتها إلى ساحة قتال مكتظة بالمدنيين العزل، لا ملاذ فيها ولا حياد.
مني أركو مناوي لم يدخل هذه الحرب بصفته شاهد عيان بل طرفا أصيلا في الجريمة. انتقل من موقع الحاكم الذي يدعي الحياد إلى قائد سياسي ينسق مع الجيش الكيزاني، ويقدم قواته وقوات حلفائه تحت اسم القوة المشتركة لتكون خط الدفاع الأول عن الجيش داخل الفاشر. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير في الخطاب، بل كان تحولا عمليا فتح الباب لتجنيد أبناء الفاشر وإخراجهم من دور الضحية إلى دور الذخيرة البشرية في معركة لا يملكون قرارها ولا يعرفون حدودها، معركة صنعها الكيزان وأدارها مناوي والنور قبة والسافانا على حساب دم أهل المدينة.
في قلب هذه المنظومة برز النور قبة والسافانا كأداتين رئيسيتين لتنفيذ سياسة الأرض المحروقة التي عرفها العالم جيدا مع حروب الإخوان المسلمين. لم يكتفيا بالحصار ولا بإغلاق الطرق، بل عمدا إلى تدمير كل ما يمكن أن يبقي الفاشر قابلة للحياة ماء وطرقا وبيوتا ومساحات آمنة. أغلقا الميادة ومنعا خروج المدنيين، وحولا الأحياء إلى مصائد مكتظة بالنساء والأطفال والشيوخ لا سلاح لهم ولا ممر آمن. بهذا الفعل لم يكونا يقاتلان عدوا مسلحا، بل يعلنان الحرب على سكان المدينة أنفسهم ويحولانهم إلى أهداف في خطة إبادة مكتملة الأركان.
سياسة الأرض المحروقة التي طبقها النور قبة والسافانا في الفاشر هي ذات العقيدة التي اشتهر بها الإخوان المسلمون في كل ساحات الصراع؛ استخدام شعار الدين والسياسة غطاء لحرق الأرض والإنسان معا، ثم الادعاء بأنهم ضحايا لا جناة. كل بيت دُمر، وكل مصدر ماء أُغلق، وكل طريق نجاة قُطع، كان جزءا من هذه العقيدة الخبيثة التي ترى المدينة مجرد ساحة يمكن إحراقها بالكامل ما دام ذلك يخدم مشروع جيش الكيزان والإخوان المسلمين.
في هذا المشهد المظلم تقف قصة أخي الحاج آدم سليمان علامة على طبيعة هذه الجريمة. أخي لم يكن مقاتلا ولا عضوا في أي تشكيل مسلح؛ كان أستاذا لمادتي الرياضيات والفيزياء، رجلًا عاش حياته بين الأرقام والقوانين وفي الفصول مع الطلاب. أخذوه من بيته أمام أسرته لأنه رفض أن يغادر منزله ولم يقبل أن يتحول بيته إلى ثكنة أو مخزن سلاح. رفض الخروج من بيتهم فاعتبروا هذا الرفض جريمة وعصيانا، فأعدموه خارج القانون ليكون بيته شاهدا على أن هذه الحرب لا تفرق بين مسلح ومدني ولا بين مجرم ومعلم. خرج أخي من بيته كواحد من أبناء الفاشر الذين ربطوا حياتهم بهذه الأرض، فعاد إليها جسدا بلا اسم في قوائم رسمية ولا حماية في القانون ولا اعتراف في بيانات القتلة الذين يختبئون وراء شعارات الحماية والحياد.
بيع أبناء الفاشر للجيش الكيزاني لم يكن شعارا بل تجارة دم كاملة. استقطاب للشباب تحت مسمى القوة المشتركة، وإقناعهم بأن الدفاع عن المدينة يمر عبر الاصطفاف مع الجيش، وبأن الحياد خيانة والالتحاق بالقوة المشتركة شرف. في الوقت نفسه تُفتح قنوات المال، وتُخصص امتيازات، وتُدفع مبالغ لأسرة واحدة بعينها كي تكون نموذج الولاء المدفوع الثمن، بينما تُترك بقية الأسر تحمل نعوش أبنائها وتدفع ثمن الدم وحدها. بهذا الفعل صارت الفاشر مقسومة بين أقلية قبضت الثمن وأكثرية حملت الجثث. القرار السياسي بفك الحياد يعلو فوق رؤوس الجميع، لكن آثاره لا توزع بالتساوي؛ هناك من خرج من المعركة بمال، وهناك من خرج منها بحفرة في المقبرة.
الجيش الكيزاني استفاد من هذا التنسيق إلى أقصى حد؛ حصل على جنود وخطوط دفاع داخل المدينة، ومناوي والنور قبة والسافانا قدموا له هذا كله تحت غطاء الحاكم والإقليم والقوة المشتركة والحرب ضد الدعم السريع. وحين اشتدت الكارثة امتلأت الشوارع والبيوت والمقابر بالجثث، واستمر إعلام الكيزان في إلصاق كل شيء بالدعم السريع وكأن السافانا والنور قبة والجيش مجرد ضحايا لا مجرمين. ثم جاءت الفضيحة الكبرى بعد انشقاق النور قبة وتصريحاته الصحفية، حين اعترف بأنه كان يتلقى أوامره من الجيش وأنه جزء من بنيته العسكرية، فتحطمت الرواية التي تلصق كل الجرائم بالدعم السريع، وانكشفت الحقيقة أن آلة الإبادة كانت تعمل من داخل التنسيق بين الجيش والسافانا والقوة المشتركة، وأن الدعم السريع كان مجرد ستار يتخفى وراءه مشروع الإبادة الكيزاني.
الوثائق الدولية التي تحدثت عن الفاشر لم تكتف بوصف الجرائم، بل أكدت مبدأ أساسيا هو المسؤولية الفردية لا الجماعية. هذه القاعدة تفتح الباب لمحاسبة كل من شارك في تحويل الفاشر إلى مقبرة، سواء كان قائدا ميدانيا أو سياسيا أو منسقا مع الكيزان أو مستفيدا من بيع أبناء المدينة. الفاشر ليست رقما في قرار دولي ولا فقرة في تقرير حقوقي؛ هي مدينة لها وجوه وأسماء وذاكرة، ومن حقها أن تكتب روايتها وأن تشير بأصابع واضحة إلى من باعها، ومن قبض الثمن، ومن حمل جثث أبنائها إلى المقابر.
ورغم كل هذا الجحيم، عادت الحياة اليوم إلى الفاشر. عادت لا لأن القتلة تابوا، بل لأن أهلها رفضوا أن يموتوا، ولأن حكومة تأسيس السودان رفعت راية مشروع جديد يحمي المدنيين ويحمل ملف العدالة على أساس المسؤولية الفردية لا الجماعية. برعاية القائد محمد حمدان دقلو، وبالتزام الميثاق التأسيسي، تحولت الفاشر من رمز للمقبرة إلى بداية لمسار سياسي جديد يريد أن يربط أي ترتيبات على الأرض بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، لا باستغلال الدم والقبيلة.
أما القوة المشتركة وحلفاؤها في الشمال فمآلهم اليوم واضح. في كل مدن الشمال تُوجَّه لهم الإساءات علنا، وصاروا غير مرغوب فيهم في جميع الولايات التي يسيطر عليها الكيزان. إذا خرجوا من حماية المدن سيُقصفون في العراء، لأن الجيش الكيزاني لا يرى فيهم إلا أدوات مؤقتة تنتهي صلاحيتها بمجرد استهلاكها. من يستخدمهم اليوم في الخرطوم وبورتسودان سيهرب غدا ويتركهم وحدهم في مواجهة الغضب الشعبي ومسار العدالة الدولية؛ سيبقون وحدهم في الميدان وقودا لحرب ليست حربهم.
لهذا ليست أمامهم إلا استراتيجية واحدة إن أرادوا النجاة. عليهم التنسيق مع قوات التحالف التأسيسي، لأن هذا التحالف هو مخرجهم الوحيد من عنق الزجاج. معركتهم الحقيقية مع الجيش الكيزاني مسألة وقت لا أكثر؛ إذا لم يتحركوا الآن سيتحولون إلى أهداف سهلة بعد أن تستقر سيطرة الكيزان أو تنهار منظومتهم تحت ضغط الحرب والعزلة. على الشباب المتعلم داخل هذه القوى أن يعملوا بجدية على إزاحة مني أركو مناوي من رئاسة الحركة، لأنه بوابتهم إلى الهلاك لا إلى السياسة؛ إن بقوا تحت قيادته سينتهي نسلهم، لأن بعد السيطرة على الأبيض لن تتوقف قوات التحالف إلا داخل بورتسودان لتحرير كل أرض الوطن من سيطرة جيش الإخوان.
حين يهرب الكيزان من بورتسودان ستبقون أنتم وقود حربهم الأخيرة إن لم تختاروا اليوم طريقا آخر. هذه آخر نصيحة لكم، وأنتم أهلي وبيننا دم؛ دم الفاشر، ودم أخي المعلم الذي أُعدم لأنه تمسك ببيته ورفض أن يكون جزءا من حربهم، ودم كل من دُفن بلا اسم. اختاروا أن تكونوا جزءا من مشروع تأسيس دولة مدنية تحاسب كل قاتل باسمه، أو استمروا وقودا في حرب ليست حربكم، ولن تربحوا فيها شيئا سوى المزيد من المقابر.



