مشروع الجزيرة ، اغتيال مع سبق الإصرار والترصد : قرن من الخيارات الكيميائية التي أهلكت مشروع وإنسان الجزيرة

——
أسامة كنينة
——-
تربة مدمرة تعني إنسان محطم : قانون الانعكاس الكيميائي في مشروع الجزيرة
إن الكارثة البيئية التي يمر بها مشروع الجزيرة في السودان هي في حقيقتها كارثة إنسانية كاملة الأركان حولته من أخصب تربة في العالم الي منطقة منكوبة ومبوءة ؛ فالأرض والجسد البشري هما مرآة واحدة، والتربة المعطلة والميتة بيولوجياً لا يمكن أن تنتج سوى إنسان مشوه يتغذى عليها وعلى فقرها .فعلى مدار قرن كامل (1925 – 2026)، عُزلت ولاية الجزيرة بوسط السودان عن قوانين الطبيعة النظيفة بفعل خيارات وقرارات بشرية اعتمدت “التدمير الكيميائي المتراكم” . وعملياً، تمثّل هذا القرن في إغراق منظم للأرض بأساطيل طائرات الرش الجوي للمبيدات شديدة السمية والمحرمة دولياً، تلاها حقن مستمر للأرض بجرعات تجارية هائلة وعشوائية من سماد “اليوريا” والمخصبات المغشوشة لتعويض موت الأرض تدريجياً . ما نعيشه اليوم من مأساة صحية ليس إلا الذروة الحتمية لقانون التبادل الحيوي المكسور؛ حيث تحولت الأرض بفعل هذا الضخ الكيميائي المستمر إلى جثة كيميائية، ليسري هذا الموت في دماء وسلوك وإنسانية مجتمعات المنطقة
1. التشريح العملي لقرن الكيماويات: كيف جرى التسميم؟
لكي نفهم ما حدث عملياً طوال هذه المائة عام، فإن العملية لم تكن مجرد إضافة سماد عابر، بل كانت إستراتيجية حقن ورش كيميائي منظم ومكثف مر عبر ثلاث مراحل تطبيقية خطيرة:
* مرحلة الإغراق بالطائرات (مركبات الكلور الثابتة): عملياً، بدأ الأمر مع المستعمر الإنجليزي الذي أدخل أساطيل طائرات الرش الجوي لغمر مساحات القطن الشاسعة بمواد شديدة السُمية والثبات الكيميائي مثل (الـ DDT والـ Aldrin). عملياً، هذه المواد لا تذوب ولا تختفي؛ بل نزلت من الجو واستقرت في ذرات الطين، ومثّلت “الطبقة السامة الأولى” التي تشربتها الأرض والآبار السطحية لقرود طويلة.
* مرحلة سحب المغذيات وفرض “اليوريا”: مع التكثيف الزراعي وإلغاء الدورة الزراعية الرباعية، جُردت الأرض عملياً من غطائها العضوي الطبيعي. ولتعويض هذا الموت، أُجبر المزارعون على ضخ سماد “اليوريا الكيميائي” بكميات تجارية هائلة كبديل نيتروجيني وحيد؛ مما غيّر عملياً وبشكل دوري من التركيب الهيدروجيني (pH) للتربة وحولها إلى بيئة حامضية مجهدة.
* مرحلة فوضى الكيماويات والتجارة السوداء: في العقود الأخيرة، غاب التدقيق الزراعي الحكيم وفتحت الأبواب لاستيراد مبيدات عشوائية رخيصة ومحرمة دولياً وأسمدة تجارية مغشوشة دخلت عبر سماسرة التجارة. عُملياً، أصبح المزارع يرش حواشته بـ “خلطات كيميائية مجهولة التركيب” دون مرشدين زراعيين، رغبةً منه في انتزاع أي محصول من أرض ماتت بيولوجياً، مما أوصل التربة إلى نقطة التشبع الكيميائي القاتل.
2. التشويه الجيني: من الطين إلى خلايا الجسد
هذا التاريخ العملي من التراكم السمّي لم يعد مجرد ملوثات فوق السطح، بل تغلغل عميقاً في إسفنج التربة الطينية الثقيلة التي تمتاز بها الجزيرة، فأصبحت تلفظ هذه السموم وتمررها عبر عروق النبات والمياه الجوفية وقنوات الري الراكدة.
النتيجة الحتمية هي أن هذا التراكم السمّي دخل السلسلة الغذائية، وأصبح جسد إنسان المنطقة يحمل في جيناته وحمضه النووي (DNA) آثار تلك المواد الكيميائية المطفرة. وتوارثت الأجيال هذه التشوهات الكيميائية جيلاً بعد جيل، ليترجم الواقع هذا التشويه الجيني في صورة انتشار مرعب للأورام والسرطانات التي تفتك بعائلات وقرى بأكملها في الجزيرة، بلا هوادة.
3. فقر الدم المتبادل: كيف تسرق “اليوريا” المعادن الأربعة من الأرض؟
هنا تتجلى الكارثة في أبهى صورها الكيميائية الحيوية؛ فالتربة أصيبت بـ “فقر دم” حاد نتيجة طرد واستنزاف عناصرها، وبذات النسق انتقل هذا الفقر الكيميائي إلى جسد الإنسان البشري.
ولكي يفهم المزارع البسيط في حواشته ما يحدث للتربة اليوم، فإن سماد اليوريا المتراكم عملياً ليس غذاءً للأرض بل هو أشبه بـ “المذيب والمغناطيس الطارد”. الأحماض القوية الناتجة عن اليوريا الحالية تعمل على طرد العناصر الطبيعية الأربعة وغسلها بعيداً لعمق الأرض، أو حجزها في مركبات صلبة يعجز النبات عن لمسها، ليمتد فقر الأرض مباشرة إلى أجساد البشر:
* الكالسيوم (الأسمنت المنهار): اليوريا تطلق هيدروجيناً حامضياً يقوم بـ “كشط” وطرد الكالسيوم الطبيعي من حبيبات الطين وتذويبه ليروح مع مياه الصرف الزراعي. والكالسيوم ليس هو المادة الصلبة والأسمنت الذي يبني جدران خلايا النبات ويحميه من الآفات فحسب، بل هو ذاته الأسمنت الحيوي الذي يبني جدران خلايا الإنسان وهيكله العظمي ويحرس نفاذيتها. غيابه عن التربة بفعل اليوريا أورث مجتمع الجزيرة أجساداً بهياكل خلوية وعظمية هشة وضعيفة.
* البوتاسيوم (مضخة السوائل المعطلة): الأحماض الناتجة عن الكيماويات واليوريا تزاحم البوتاسيوم في التربة وتطرده بعيداً عن جذور النبات. وبفقدانه، عجز النبات عن نقل السكريات داخل الثمرة لتنضج وتكتسب طعمها وحجمها وقيمتها؛ وتُرجم ذلك في أجساد السكان إلى ارتفاع مزمن في ضغط الدم، واحتباس السوائل، وإجهاد مستمر لعضلة القلب نتيجة غياب هذا المنظم الرئيسي.
* الزنك (مفتاح المناعة الغائب): عندما تصبح التربة حامضية ومجهدة بسبب كثرة اليوريا الحالية، ينحبس الزنك الطبيعي ويتحول إلى شكل صلب “ميت” لا يذوب في الماء، فيعجز النبات تماماً عن امتصاصه. والزنك هو المفتاح المسؤول في جسم الإنسان عن تشغيل خلايا المناعة وبناء الهيموجلوبين ونقل الحديد. غيابه كان الجسر المباشر لإصابة المجتمع بـ “فقر الدم الحاد والأنيميا المستعصية”.
* الكبريت (مضاد الأكسدة المفقود): استخدام اليوريا العشوائي يغير التوازن البكتيري في الأرض، مما يؤدي إلى غسيل الكبريتات وفقدانها. والكبريت هو أساس بناء الزيوت الطيارة والأحماض الأمينية الكبريتية في المحاصيل الطبيعية؛ وبدونه عجز الكبد البشري عن إنتاج “الجلوتاثيون” (مضاد الأكسدة الأول لتنظيف الجسم من السموم والمبيدات)، مما فتح الباب للتراكم الكيميائي لتهلك الخلايا وتسبب الأورام.
4. متلازمة الإدمان المشترك: من الحواشة إلى الصيدلية
عندما تمرض التربة وتعتمد على الكيماويات، تفقد بكتيريتها النافعة وتتحول إلى “تربة مدمنة” لا تنتج ولا تتحرك إلا بصدمة سماد كيميائي صناعي. وبذات المتلازمة تماماً، فإن إنسان المنطقة أصبح يعتمد في حياته على الكيماويات؛ لقد تلاشت مناعته الطبيعية بالتزامن مع تآكل حيوية أرضه، فأدمن الأجسادُ الأدوية والمضادات الحيوية الكيميائية المصنعة، إذ أصبحت هي الوحيدة القادرة على إبقائه على قيد الحياة تحت أجهزة الإنعاش الصناعي.
تربة مدمنة تعني إنساناً مدمناً، وتربة مدمرة لا تنتج في نهاية المطاف سوى إنسان مدمر في بنائه، ومناعته، وصحته الحيوية.
5. الواقع هو التقرير الحقيقي
دعك من الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية وصمت تقاريرها؛ فالواقع في الجزيرة يتحدث بمصداقية الألم وهو التقرير الفعلي الوحيد:
* طوابير مراكز غسيل الكلى في مدني والمناقل والكاملين هي المشهد اليومي الملموس لتصفية دماء لوثتها الكيماويات الراجعة في مياه الشرب.
* دفاتر وفيات الأورام والسرطانات المستوطنة في بيوت القرى تؤكد التراكم السمي لقرن من الكيماويات في السلسلة الغذائية والمياه.
التربة المدمرة كيميائياً لا يمكنها حيوياً أن تنتج سوى إنسان مدمر؛ مفرغ من طاقته، مسلوب من عافيته ومناعته الطبيعية، ليدور المجتمع في ساقية كيميائية مغلقة تبدأ بجرعة السماد الكيماوي في الحواشة، وتنتهي بجرعات المضادات الحيوية والكيماوي في الصيدلية والمستشفى.
خاتمة
إن إبادة مشروع الجزيرة وإهلاك إنسانه يثبتان للعالم أن صحة الإنسان من صحة الأرض، وأن تدمير كيمياء الطبيعة هو تدمير مباشر لدم وثنايا البشر. ما أفسدته الخيارات والقرارات البشرية الرأسمالية طوال مئة عام، لن يصلحه إلا وقفة وعي شجاعة تكسر هذه الساقية الكيميائية الإدمانية، وتوقف تدفق السموم، وتعود بالأرض إلى حيويتها العضوية، قبل أن يكتمل الطمس التام لعافية الجسد والطين في أرض الجزيرة.”فإذا عُرف السبب بطل العجب؛ فالواقع المشهود الآن يقول إن أي أسرة مستقرة في ولاية الجزيرة وأي بيت في المنطقة أصبح موبوءا بالأمراض المزمنة من سكري وضغط وأمراض القلب والفشل الكلوي وأمراض الكبد والباطن والجراثيم والأمراض المعدية والوبائيات، والحميات المستوطنة والسرطانات وأمراض الصدر والأزمة والربو حتي أصبحت الجزيرة عبارة عن مستشفي كبير مفتوح . والسبب الرئيسي والوحيد في ذلك هو انهيار المناعة الطبيعية للإنسان، الناتج حتماً عن التراكم التاريخي للمواد الكيميائية في جسده، وفي عروق تربته التي يتغذى عليها وفي هوائه الذي يستنشقه…
أنها كارثة حاقت باهل الجزيرة تتطلب إعلانها منطقة كوارث فليس هناك قيمة اعلي من قيمة الإنسان وليذهب كل ما عداه الي الجحيم …..فيااا زول الجزيرة هل انت عارف انو انت وارضك وصلتوا مرحلة اللا عودة …؟….
اصحي،،،،،، وربنا يلطف بالبلاد والعباد



