الأعمدة

اتفاقية مياه النيل فرضت على السودان أثمانًا تاريخية وجغرافية وثقافية واقتصادية باهظة، مقابل مكاسب محدودة لم تواكب حجم التضحيات

مجاهد بشري
منذ توقيع اتفاقية مياه النيل بين السودان ومصر عام 1959، ظل الجدل قائمًا حول ما إذا كانت هذه الاتفاقية قد حققت بالفعل المصالح السودانية، أم أنها فرضت على السودان أثمانًا تاريخية وجغرافية وثقافية واقتصادية باهظة، مقابل مكاسب محدودة لم تواكب حجم التضحيات التي قدمها. وبعد مرور أكثر من ستة عقود على توقيع الاتفاقية، وظهور متغيرات جيوسياسية وقانونية كبرى، مثل قيام سد النهضة الإثيوبي ودخول الاتفاقية الإطارية التعاونية لدول حوض النيل (اتفاقية عنتيبي) حيز النفاذ، عاد السؤال مجددًا: هل يستطيع السودان قانونيًا وسياسيًا إعادة النظر في اتفاقية 1959، أو حتى التخلي عنها؟
اتفاقية وُلدت في سياق تاريخي مختلف
وُقعت اتفاقية عام 1959 في ظروف سياسية وإقليمية مختلفة جذريًا عن الواقع الحالي. فقد كانت مصر والسودان آنذاك تعتبران نفسيهما الطرفين الرئيسيين في إدارة مياه النيل، بينما لم تكن بقية دول الحوض تمتلك تأثيرًا سياسيًا أو قانونيًا مماثلًا. كما أن الاتفاقية قامت أساسًا على افتراض أن السد العالي سيكون المشروع المائي الاستراتيجي الأكبر والأهم في حوض النيل، وأن إدارة المياه ستظل محصورة بين الخرطوم والقاهرة.
وبموجب هذه الاتفاقية، حصل السودان على حصة سنوية قدرها 18.5 مليار متر مكعب، بينما حصلت مصر على 55.5 مليار متر مكعب، كما وافق السودان على إغراق أجزاء واسعة من أراضيه النوبية لصالح إنشاء بحيرة السد العالي، مقابل تعويضات مالية وإعادة توطين السكان المتضررين.
الثمن الذي دفعه السودان
لا يمكن الحديث عن اتفاقية 1959 دون التوقف عند حجم الخسائر التي تكبدها السودان نتيجة تنفيذها.
فقد أدت الاتفاقية إلى إغراق مدينة وادي حلفا التاريخية بالكامل، وتهجير عشرات الآلاف من النوبيين السودانيين من موطنهم التاريخي إلى مناطق إعادة توطين بعيدة، كما فقد السودان مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة والمواقع الأثرية والحضارية التي تعود إلى آلاف السنين.
ولم تقتصر الخسائر على الجانب الإنساني والثقافي، بل شملت أيضًا خسائر اقتصادية واستراتيجية طويلة الأجل، إذ بقي الجزء السوداني من بحيرة النوبة أحد أقل الموارد المائية استثمارًا في السودان، رغم ما يمتلكه من إمكانات ضخمة في مجالات الصيد، والنقل، والسياحة، والطاقة، والتنمية الحدودية.
ويرى العديد من الباحثين أن التعويضات التي حصل عليها السودان في ذلك الوقت لا تعكس القيمة الحقيقية للخسائر التي تكبدها، سواء من حيث الأرض أو التراث أو الفرص الاقتصادية الضائعة.
هل أصبحت الظروف التي قامت عليها الاتفاقية غير موجودة؟
من أهم المبادئ المعترف بها في القانون الدولي مبدأ “التغير الجوهري للظروف” (Fundamental Change of Circumstances)، والذي يسمح، في ظروف استثنائية، بإعادة النظر في بعض الالتزامات الدولية إذا تغيرت الظروف التي قامت عليها المعاهدة بصورة جوهرية.
وعند النظر إلى الواقع الحالي لحوض النيل، يمكن القول إن البيئة التي نشأت فيها اتفاقية 1959 قد تغيرت بصورة عميقة، وذلك لعدة أسباب:
أولًا، قيام وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، الذي أصبح أكبر منشأة مائية على النيل الأزرق، وأنهى عمليًا احتكار مصر والسودان لإدارة تدفقات النهر.
ثانيًا، دخول الاتفاقية الإطارية التعاونية لدول حوض النيل، المعروفة باتفاقية عنتيبي، حيز النفاذ، وهي اتفاقية تقوم على مبدأ “الاستخدام المنصف والمعقول” بدلًا من مفهوم الحصص التاريخية الحصرية.
ثالثًا، ظهور دولة جنوب السودان كدولة مستقلة، وهو تطور لم يكن موجودًا عند توقيع اتفاقية 1959.
رابعًا، التطورات الواسعة التي شهدها القانون الدولي للمياه خلال العقود الستة الماضية، وخاصة مبادئ الاستخدام العادل، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون المشترك بين دول الأحواض المائية.
هل يستطيع السودان الانسحاب من اتفاقية 1959؟
من الناحية القانونية البحتة، لا توجد قاعدة تمنع السودان من إعلان رغبته في إعادة التفاوض على الاتفاقية أو السعي إلى إنهائها بالوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة.
كما يمكن للسودان أن يستند إلى مجموعة من الحجج القانونية، من بينها:
1. التغير الجوهري للظروف
يمكن للسودان أن يجادل بأن الظروف السياسية والهيدرولوجية والقانونية التي قامت عليها الاتفاقية قد تغيرت بصورة تجعل استمرارها بصيغتها الحالية غير متوافق مع الواقع.
2. انتهاء الغرض الأساسي للاتفاقية
إذ يمكن الدفع بأن أحد أهم أهداف الاتفاقية كان تنظيم إنشاء وتشغيل السد العالي، وهو مشروع اكتمل قبل أكثر من نصف قرن، مما يفتح الباب أمام إعادة تقييم الالتزامات المرتبطة به.
3. تطور القانون الدولي للأنهار الدولية
فقد تطورت قواعد القانون الدولي للمياه بشكل كبير منذ عام 1959، وأصبحت مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول وعدم الاحتكار المائي أكثر رسوخًا في الفقه والممارسة الدولية.
4. التغير الجذري في النظام المائي لحوض النيل
إن قيام سد النهضة، وتوسع البنية التحتية المائية في دول الحوض، غيّر فعليًا نظام إدارة المياه الذي قامت عليه الاتفاقية.
5. ظهور نظام قانوني إقليمي جديد
دخول اتفاقية عنتيبي حيز النفاذ يمثل، من الناحية السياسية على الأقل، انتقالًا تدريجيًا من النظام الثنائي القديم إلى نظام إقليمي أوسع قائم على المشاركة بين جميع دول الحوض.
نحو رؤية سودانية جديدة لمياه النيل
بعد أكثر من ستين عامًا على توقيع اتفاقية 1959، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الاتفاقية عادلة أو غير عادلة، بل ما إذا كانت ما تزال تعكس الواقع السياسي والقانوني والجغرافي لحوض النيل.
لقد تغيرت الجغرافيا السياسية للنهر، وتغير القانون الدولي، وظهرت منشآت مائية عملاقة جديدة، ودخلت اتفاقيات إقليمية حديثة حيز التنفيذ. وفي ظل هذه التحولات، يمتلك السودان، من الناحية النظرية والقانونية، مبررات قوية للمطالبة بإعادة النظر في ترتيبات تقاسم المياه التي نشأت في منتصف القرن العشرين.
ويبقى القرار النهائي، في نهاية المطاف، قرارًا سياسيًا واستراتيجيًا يتعلق بكيفية تعريف السودان لمصالحه الوطنية ومستقبل دوره في إدارة أحد أهم الأنهار الدولية في العالم.
#حلايب_وشلاتين_وابورماد_سودانية #حلفا_القديمة

زر الذهاب إلى الأعلى