الأعمدة

البراغماتية الإعلامية للإخوان والعمامة الإيرانية

ملكون ملكون
عندما تتلاقى المصالح المشتركة، والشعارات المشتركة، والتضليل المشترك. حينها يصبح الاختلاف المذهبي تفصيلاً ثانوياً، لذا لا يبدو مفاجئاً ولا صادماً التقارب بين الإخوان المسلمين والنظام الإيراني، ولعل هذا التقارب لم يظهر الآن بسبب الحرب الحالية بل يعود الى عام 1979 ووصول الخميني الى الحكم حينها رحبت جماعة الإخوان المسلمين بالثورة الإسلامية في إيران واعتبرتها نموذجاً لإقامة “دولة إسلامية”، وظهرت لغة مشتركة بينهما بعيدة عن الاختلاف المذهبي “السني-الشيعي”، وتمحورت هذه اللغة حول معاداة الغرب ورفض الأنظمة العلمانية ودعم الحركات الإسلامية.
هذا الإعجاب المتبادل استمر في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات لكن دون تحالف معلن، حتى صعد الإخوان للحكم في مصر مع محمد مرسي، فحدث انفتاح دبلوماسي محدود بين مصر وإيران، وخلال هذه الفترة تأزمت العلاقة بين الطرفين بسبب تضارب مصالحهما ومواقفهما من النظام السوري، وتساؤلات وانتقادات للدور الإيراني في العراق واليمن واعتبار إيران دولة أيديولوجية توسعية.
ولكن كان على الإخوان المسلمين إعادة ترتيب أولوياتهم ومفردات خطابهم بعد تنامي الدعم المالي والعسكري والتقني الإيراني لحركة حماس، فأصبحت الأولوية للمقاومة ضد إسرائيل من الطرفين

الآن ومنذ أسابيع من الحرب المحتدمة في المنطقة كان الموقف الرسمي للإخوان يدين “الهجوم العسكري على ايران” ويعتبره عدواناً على دولة ذات سيادة وتصعيداً يهدد استقرار المنطقة، وحاولت جماعة الإخوان أن تمسك العصا من المنتصف وتخفي موقفها بشأن الحرب بين (إيران-أمريكا وإسرائيل) إلا أن تطور الأحداث واستمرار المعركة حتى الآن، ثم استهداف طهران لدول الخليج بالقصف، دفع الجماعة لكشف موقفها الحقيقي، التنظيم الدولي أصدر في الأيام الأولى للحرب بيانا أعرب فيه عن استنكاره لضرب إيران، واستهدافها من قبل إسرائيل وأمريكا، داعياً الدول العربية للوقوف صفاً واحداً ضد المشروع الإسرائيلي، تلت ذلك خمسة بيانات تحاول فيها ترميم البيان الأول، وعلى نهج بيان التنظيم الدولي سارت فروع جماعة الاخوان في السودان وموريتانيا وتونس وليبيا والمغرب، فيما خالف فرع الجماعة في سوريا النهج المتبع مهاجماً إيران واعتبار الهجوم عليها انتقام الهي مما فعلته من جرائم في سوريا.
وتحركت الأذرع الإعلامية للإخوان المسلمين عبر براغماتية إعلامية ترتدي العمامة الإيرانية لتؤطر الحرب كـ “عدوان أمريكي – صهيوني” و”جزء من مشروع هيمنة إقليمي” وهنا يهدف الإعلام الإخواني لتحويل الصراع من صيغته الإيرانية – الأمريكية – الإسرائيلية إلى صراع بين الأمة العربية والإسلامية وإسرائيل وأمريكا.

18
مقال
 البراغماتية الإعلامية للإخوان والعمامة الإيرانية

ملكون ملكونكاتب
8 أبريل 2026 – 06:00
4 دقيقة قراءة

عندما تتلاقى المصالح المشتركة، والشعارات المشتركة، والتضليل المشترك. حينها يصبح الاختلاف المذهبي تفصيلاً ثانوياً، لذا لا يبدو مفاجئاً ولا صادماً التقارب بين الإخوان المسلمين والنظام الإيراني، ولعل هذا التقارب لم يظهر الآن بسبب الحرب الحالية بل يعود الى عام 1979 ووصول الخميني الى الحكم حينها رحبت جماعة الإخوان المسلمين بالثورة الإسلامية في إيران واعتبرتها نموذجاً لإقامة “دولة إسلامية”، وظهرت لغة مشتركة بينهما بعيدة عن الاختلاف المذهبي “السني-الشيعي”، وتمحورت هذه اللغة حول معاداة الغرب ورفض الأنظمة العلمانية ودعم الحركات الإسلامية.
هذا الإعجاب المتبادل استمر في مرحلة الثمانينيات والتسعينيات لكن دون تحالف معلن، حتى صعد الإخوان للحكم في مصر مع محمد مرسي، فحدث انفتاح دبلوماسي محدود بين مصر وإيران، وخلال هذه الفترة تأزمت العلاقة بين الطرفين بسبب تضارب مصالحهما ومواقفهما من النظام السوري، وتساؤلات وانتقادات للدور الإيراني في العراق واليمن واعتبار إيران دولة أيديولوجية توسعية.
ولكن كان على الإخوان المسلمين إعادة ترتيب أولوياتهم ومفردات خطابهم بعد تنامي الدعم المالي والعسكري والتقني الإيراني لحركة حماس، فأصبحت الأولوية للمقاومة ضد إسرائيل من الطرفين.
يهدف الإعلام الإخواني لتحويل الصراع من صيغته الإيرانية – الأمريكية – الإسرائيلية إلى صراع بين الأمة العربية والإسلامية وإسرائيل وأمريكا
الآن ومنذ أسابيع من الحرب المحتدمة في المنطقة كان الموقف الرسمي للإخوان يدين “الهجوم العسكري على ايران” ويعتبره عدواناً على دولة ذات سيادة وتصعيداً يهدد استقرار المنطقة، وحاولت جماعة الإخوان أن تمسك العصا من المنتصف وتخفي موقفها بشأن الحرب بين (إيران-أمريكا وإسرائيل) إلا أن تطور الأحداث واستمرار المعركة حتى الآن، ثم استهداف طهران لدول الخليج بالقصف، دفع الجماعة لكشف موقفها الحقيقي، التنظيم الدولي أصدر في الأيام الأولى للحرب بيانا أعرب فيه عن استنكاره لضرب إيران، واستهدافها من قبل إسرائيل وأمريكا، داعياً الدول العربية للوقوف صفاً واحداً ضد المشروع الإسرائيلي، تلت ذلك خمسة بيانات تحاول فيها ترميم البيان الأول، وعلى نهج بيان التنظيم الدولي سارت فروع جماعة الاخوان في السودان وموريتانيا وتونس وليبيا والمغرب، فيما خالف فرع الجماعة في سوريا النهج المتبع مهاجماً إيران واعتبار الهجوم عليها انتقام الهي مما فعلته من جرائم في سوريا.
وتحركت الأذرع الإعلامية للإخوان المسلمين عبر براغماتية إعلامية ترتدي العمامة الإيرانية لتؤطر الحرب كـ “عدوان أمريكي – صهيوني” و”جزء من مشروع هيمنة إقليمي” وهنا يهدف الإعلام الإخواني لتحويل الصراع من صيغته الإيرانية – الأمريكية – الإسرائيلية إلى صراع بين الأمة العربية والإسلامية وإسرائيل وأمريكا.
موقف الجماعة من الحرب الآن هو موقف مركب يجمع ما بين الأيديولوجية والبراغماتية ويتخفى وراء شعارات تغليب “البعد الوحدوي الإسلامي” على الانقسامات المذهبية
الإعلام الإخواني ليس عشوائياً بل يخضع لتنسيق وتوجيه مركزي لذا لا غرابة من انتشار كثيف لخطاب موحد عبر القنوات الرسمية والمنصات المرتبطة بهم وحسابات النشطاء ولجانهم الإلكترونية. والهدف بالطبع تحفيز الرأي العام ضد الحرب وربطها بقضايا أكبر كالقضية الفلسطينية والهيمنة الاستعمارية، في استعادة لاستراتيجيتهم التاريخية في استخدام الإعلام كأداة في الصراع السياسي والفكري. الخطاب الإعلامي لم يكن تمجيداً مباشراً ودعماً معلناً لإيران، لكنه برر “حقها في الدفاع عن نفسها” معتبراً ضربها غير شرعي وهو أسلوب مخادع لأنه يحقق دعماً سياسياً وجماهيرياً دون الظهور كحليف عقائدي لايران. ومن هنا يبرز خبث الإعلام الإخواني بكافة منصاته إذ يعيد صياغة المصطلحات وتعبئة الرأي العام من خلال ذلك، فتصبح إيران “دولة إسلامية” والهجوم عليها هو الهجوم على “الأمة الإسلامية”، وفي هذا السياق لابد من شحنٍ عاطفيٍ للناس عبر لغة عاطفية لا لغة تحليلية عميقة فينحسر التفكير النقدي وتصبح العاطفة والانفعال وردود الفعل الغاضبة هي السائدة.
موقف الجماعة من الحرب الآن هو موقف مركب يجمع ما بين الأيديولوجية والبراغماتية ويتخفى وراء شعارات تغليب “البعد الوحدوي الإسلامي” على الانقسامات المذهبية. ولكن انكشف ذلك عبر شاشات فضائية ومنصات إعلامية تغلغل في مفاصلها صحفيين ومحللين ومراسلين من الإخوان المسلمين يروجون للسردية الإخوانية ويبيعون الوهم للناس، وأحياناً يستغلون ظهورهم على الهواء لتمرير توجههم الإخواني في دعم إيران.
الخطاب الإعلامي الإخواني ببراغماتيته وخداعه ومواربته أصبح مكشوفاً والشعارات التي يروج لها والسردية التي يتبناها، باتت فجّة ولا تعبر إلا عن أفق ضيق لم يعد ينفع التخفي خلف “التقية” أو “التمكين”، لان ما تمر به المنطقة لا يحتمل الانتظار أكثر وإعادة صياغة الخطاب الإعلامي العربي من جديد بات ضرورة ملحة وعاجلة.

زر الذهاب إلى الأعلى