الأعمدة

متلازمة استوكهولم الكيزانية ،، أو حين يدافع الضحية عن الجلاد ،،

عوض ابوشعرة
من أحقر صور الانكسار الأخلاقي والسياسي أن يتحول بعض الضحايا إلى أبواقٍ تدافع عن جلاديها، وأن يخرج من بين أبناء الشعب من يجمّل وجه المجرم، ويلتمس له الأعذار ويهاجم من تصدوا له وفضحوا جرائمه ،،
هذه ليست براءة رأي ،، ولا اختلافًا سياسيًا عاديًا ،، بل هي النسخة الكيزانية من متلازمة استوكهولم ،، حالة ذهنية مريضة تجعل المقهور يتماهى مع قاهره ،، ويبحث له عن مبررات بل ويقف في خندقه ضد ذاكرة الضحايا ،،
الكيزان لم يدمروا السودان بخطأ سياسي عابر ،، ولم يكونوا مجرد طرف اختلفنا معه في إدارة الدولة ،،
الكيزان مشروع إجرامي كامل ،، :
صادروا الديمقراطية ،،
وأفسدوا مؤسسات الدولة ،،
ومزقوا النسيج الاجتماعي ،،
وأشعلوا الحروب ،،
وفتحوا أبواب الفساد والتمكين ،، وتركوا وطنًا مثخنًا بالجراح والخراب ،،
لذلك فإن مساواتهم بضحاياهم أو بخصومهم السياسيين ليست حيادًا ،، بل تزوير للوعي وخيانة للذاكرة الوطنية ،،
الأخطر من الكوز الصريح هو ذلك الذي يلبس قناع الحياد ،،
يقول لك: ( كلهم سيئون ،، وكلهم أخطأوا ،، ودعونا نبدأ من جديد ،، ) كأن الوطن دفتر حسابات صغير يمكن تمزيق صفحاته متى ما ضاق المجرم بالحقيقة ،،
هؤلاء يريدون تصفير العداد ،،
يريدون أن يمسحوا آثار الدم ،، وأن يساووا بين من قتل ومن قُتل ،، بين من نهب ومن نُهب ،، بين من خطط للجريمة ومن دفع ثمنها ،،
لا توجد مساواة أخلاقية بين الجلاد والضحية ،،
ولا توجد حكمة في تبرئة المجرم باسم الواقعية ،،
ولا يوجد وطن يُبنى على النسيان القسري ،، فالذي يطالبك بأن تنسى الجريمة قبل المحاسبة لا يبحث عن السلام ،، بل يفتح بابًا جديدًا للجريمة القادمة ،،
إن متلازمة استوكهولم الكيزانية لا تظهر فقط في الدفاع المباشر عن الكيزان ،، بل تظهر في تلطيف جرائمهم ،،
وفي اختراع الأعذار لهم ،،
وفي مهاجمة من يصرون على المحاسبة ،،
وفي اتهام أصحاب الذاكرة الحية بالتطرف والحقد ،، وكأن المطلوب من الضحية أن يعتذر لأنه تذكر ،، وأن يخجل لأنه رفض أن يصافح يدًا ملطخة بدم الوطن ،، !
هؤلاء المصابون بهذا المرض السياسي يريدون منا أن نرى القاتل مجرد لاعب سياسي ،، وأن نرى الضحية طرفًا من أطراف الأزمة ،،
وأن نرى العدالة عقبة أمام التسوية ،، وهذا هو جوهر الخديعة ،، تحويل الجريمة إلى خلاف، ،، وتحويل المحاسبة إلى انتقام ،، وتحويل الوفاء للشهداء إلى مزايدة ،،
لكن الشعوب التي تحترم نفسها لا تسلم ذاكرتها للجلادين ،،
ولا تسمح للمجرم أن يكتب محضر البراءة بيده ،،
السودان لن ينهض إذا تعاملنا مع الكيزان كخلاف انتخابي عادي ،، لأنهم لم يدخلوا التاريخ كتيار سياسي فحسب ،، بل كمنظومة تمكين وقهر وفساد وحرب وتدمير ممنهج ،،
من حق الناس أن يختلفوا في السياسة ،،
وأن يخطئوا في التقدير ،، وأن تتباين مواقفهم حسب الظروف ،، لكن ليس من حق أحد أن يضع المجرم الأول في خانة واحدة مع ضحاياه أو خصومه ،، فالخطأ السياسي شيء ،، والجريمة المنظمة شيء آخر ،،
التقدير الخاطئ يمكن نقده ومراجعته ،، أما مشروع القتل والنهب والتمكين والاستبداد فلا يُغسل بماء النسيان ولا يُعاد تدويره باسم المصالحة ،،
لهذا يجب أن نقولها بوضوح :
من يبرر للكيزان جرائمهم ،، أو يساويهم بضحاياهم ،، أو يدعو إلى عودتهم بلا محاسبة ،، إنما يشارك في الجريمة معنويًا حتى لو لم يحمل سلاحًا ،، وحتى لو لم يكتب أمر اعتقال ،، وحتى لو لم ينهب مالًا عامًا ،، فالجريمة لا تحتاج دائمًا إلى قاتل مباشر ،، أحيانًا تحتاج إلى شاهد زور ،، وإلى مثقف مائع ،، وإلى سياسي جبان ،، وإلى مواطن مهزوم يصفق للجلاد خوفًا أو مصلحة أو عمى ،،
إن الوفاء للشهداء ليس قصيدة موسمية ،، بل موقف ،،
والوفاء للمعتقلين والمعذبين والمشردين ليس دمعة عابرة ،، بل إصرار على ألا يعود الذين صنعوا المأساة بثياب جديدة ،، والوفاء للوطن لا يكون بمساواة الخراب بالمقاومة ،، ولا بتبرير الجريمة بحجة تعقيد السياسة ،،
فليعلم المصابون بمتلازمة استوكهولم الكيزانية أن ذاكرة الشعب ليست مزادًا ،،
وأن دماء الشهداء ليست ورقة تفاوض ،،
وأن العدالة ليست ترفًا ،، بل شرط النجاة ،، ومن أراد السلام الحقيقي فليبدأ بالحقيقة ،، ومن أراد المصالحة فليبدأ بالمحاسبة ،، ومن أراد بناء وطن جديد فليغلق أولًا أبواب عودة المجرمين ،،
أما الذين يطلبون منا أن ننسى، فنقول لهم ،، لن ننسي ،،
والذين يطلبون منا أن نساوي بين الجلاد والضحية نقول لهم هذه هي الخيانة الأخلاقية بعينها ،،
والذين يريدون تصفير العداد نقول لهم العداد لا يُصفّر فوق المقابر ،،
ولا فوق دموع الأمهات ،،
ولا فوق خراب المدن ،،
ولا فوق وطنٍ دفع ثمن الجريمة من جسده وروحه ،،
السودان يحتاج إلى شفاء حقيقي ،، لا إلى تخدير كيزاني جديد ،،
والشفاء يبدأ من تسمية الأشياء بأسمائها ،، الجلاد جلاد ،، والضحية ضحية ،، والمجرم مجرم ،، ومن يبرر له شريك في إعادة إنتاج المأساة ،،

زر الذهاب إلى الأعلى