الأعمدة

2درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية؟ ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية الخاصة؟-

2-8 من إنهاء الحرب إلى إعادة تأسيس الدولة

خالد كودي
الجزء الثاني: كيف أعادت قوانين الحقوق المدنية بناء الديمقراطية الأمريكية؟
عندما اندلعت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، لم يكن هدفها مجرد تحسين الظروف المعيشية للأمريكيين الأفارقة، ولا الحصول على بعض الإصلاحات الجزئية داخل النظام القائم. فقد كانت الحركة، في جوهرها، معركة من أجل إلزام الدولة الأمريكية بالوفاء بالمبادئ الدستورية التي أقرتها بعد الحرب الأهلية، لكنها أخفقت لعقود في تطبيقها بصورة فعلية.
وقد جاءت هذه الحركة في سياق تاريخي كانت فيه الولايات المتحدة تعيش تناقضاً عميقاً بين النصوص الدستورية والواقع
العملي.
فمن ناحية، كان الدستور يعترف بالمواطنة المتساوية، ويمنع العبودية، ويضمن حق التصويت بغض النظر عن العرق.

Jim Crow Laws ومن ناحية أخرى، كانت قوانين الفصل العنصري
تفرض واقعاً يقوم على الفصل بين البيض والسود في المدارس، ووسائل النقل، والمرافق العامة، والسكن، وسوق العمل، كما كانت تستخدم وسائل قانونية وإدارية عديدة لمنع ملايين الأمريكيين الأفارقة من ممارسة حقهم في التصويت.
لقد كان السؤال الذي طرحته حركة الحقوق المدنية سؤالاً دستورياً قبل أن يكون سؤالاً سياسياً: كيف يمكن لدولة تعلن المساواة في دستورها أن تسمح باستمرار نظام قانوني يقوم على التمييز؟
ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال، خاضت الحركة واحدة من أعظم حملات النضال المدني في التاريخ الحديث، مستخدمةً وسائل المقاومة السلمية، والعصيان المدني، والمقاطعة الاقتصادية، والتقاضي أمام المحاكم، والمسيرات الجماهيرية، والتنظيم الشعبي، حتى نجحت في فرض تحول تشريعي غير مسبوق غيّر وجه الولايات المتحدة.

قانون الحقوق المدنية لعام 1964: إعادة تعريف المساواة أمام القانون
كان أهم هذه التحولات صدور قانون الحقوق المدنية لعام 1964
(Civil Rights Act of 1964)
الذي يعده كثير من الباحثين أهم تشريع أمريكي في القرن العشرين.
لم يكن هذا القانون مجرد تعديل قانوني محدود، بل أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ووضع للمرة الأولى إطاراً قانونياً شاملاً يمنع التمييز في مختلف مجالات الحياة العامة.
فقد نص القانون على حظر التمييز في العمل، والتعليم، والخدمات العامة، والفنادق، والمطاعم، وأماكن الإقامة العامة، على أساس:
​- العرق
​- اللون
​- الدين
​- الجنس
​- الأصل القومي
وبذلك لم يعد التمييز مجرد ممارسة اجتماعية مرفوضة أخلاقياً، بل أصبح فعلاً غير مشروع قانوناً يمكن الطعن فيه أمام القضاء.
ولم يكن إدراج كلمة “الجنس” في القانون أمراً هامشياً، بل أصبح لاحقاً أحد أهم الأسس القانونية التي قامت عليها حركة حقوق المرأة في الولايات المتحدة، كما سنرى لاحقاً.
كما منح القانون الحكومة الفيدرالية سلطات واسعة للتدخل عندما تنتهك الولايات أو المؤسسات الخاصة مبادئ المساواة، وهو تحول مهم في تاريخ العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات.

قانون حقوق التصويت لعام 1965: تحويل المواطنة إلى مشاركة سياسية
لكن المساواة القانونية لا تكتمل إذا بقي المواطن عاجزاً عن المشاركة في اختيار من يحكمه
(Voting Right Act of 1965 )ولهذا جاء قانون حقوق التصويت لعام 1965
ليعالج واحدة من أخطر أدوات التمييز العنصري في الولايات المتحدة.
فعلى الرغم من أن التعديل الخامس عشر للدستور كان قد ضمن حق التصويت منذ عام 1870، فإن كثيراً من الولايات الجنوبية ابتكرت وسائل عديدة لمنع الأمريكيين الأفارقة من ممارسة هذا الحق، مثل:
​- اختبارات القراءة والكتابة
​Poll Taxes – ضرائب الاقتراع
​- الشروط الإدارية التعجيزية
​- التلاعب بسجلات الناخبين
​- التهديد والعنف والترهيب
وقد أدى ذلك عملياً إلى حرمان ملايين المواطنين من حقهم الدستوري في التصويت
فجاء قانون عام 1965 ليحظر هذه الممارسات بصورة مباشرة، ومنح الحكومة الفيدرالية سلطة الإشراف على الانتخابات في الولايات التي ثبت استخدامها للتمييز العنصري.
وكانت نتائج هذا القانون هائلة؛ إذ ارتفعت معدلات تسجيل الناخبين الأمريكيين الأفارقة بصورة غير مسبوقة، وأصبح بإمكانهم لأول مرة منذ نهاية الحرب الأهلية المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، والترشح للمناصب العامة، والتأثير في التشريع وصنع القرار.
وهكذا تحولت المواطنة من مفهوم نظري إلى ممارسة سياسية حقيقية.

قانون الإسكان العادل لعام 1968: إنهاء التمييز في الحق في السكن.
ولم تتوقف الإصلاحات عند العمل والتعليم والانتخابات
(Fair Housing Act of 1968) ففي عام 1968 صدر قانون الإسكان العادل
الذي حظر التمييز في بيع وتأجير المساكن على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الأصل القومي، ثم توسعت حمايته لاحقاً لتشمل فئات أخرى.
وكان هذا القانون استجابة لحقيقة أن التمييز السكني كان أحد أهم أدوات إعادة إنتاج عدم المساواة، إذ لم يكن الأمريكيون الأفارقة يعانون فقط من انخفاض الدخول، وإنما كانوا يُمنعون قانونياً أو عملياً من السكن في كثير من الأحياء، وهو ما انعكس على فرص التعليم، والصحة، والعمل، والخدمات العامة.
وبصدور هذا القانون، أصبح الحق في السكن جزءاً من منظومة الحقوق المدنية التي تكفلها الدولة.

من قوانين خاصة بالسود إلى منظومة حقوق عامة:
القيمة التاريخية لهذه التشريعات لا تكمن في مضمونها المباشر فقط، وإنما في الآثار الواسعة التي ترتبت عليها لاحقاً
فقد تجاوز تأثيرها القضية العنصرية التي ولدت من رحمها، وتحولت إلى الأساس القانوني الذي بُنيت عليه منظومة واسعة من الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.
فاستناداً إلى المبادئ التي أرستها هذه القوانين، ظهرت لاحقاً تشريعات وسياسات عديدة، من بينها:
​- قوانين تكافؤ فرص العمل
​- قوانين منع التحرش الجنسي في أماكن العمل والتعليم
​- التشريعات الخاصة بالمساواة بين النساء والرجال
​- سياسات العمل الإيجابي
لمعالجة اثار التمييز التاريخي(Affirmative Action)
​- قوانين حماية الأشخاص ذوي الإعاقة
​- التشريعات الخاصة بحقوق كبار السن
​- توسيع الحماية القانونية للأقليات الدينية والإثنية واللغوية
​- تطوير معايير المساواة في التعليم، والإسكان، والخدمات العامة
وهنا تظهر واحدة من أهم حقائق التاريخ الدستوري الحديث
فالقوانين التي وُلدت من نضال جماعة تعرضت للاضطهاد لم تبق قوانين تخص تلك الجماعة، بل تحولت إلى ضمانات قانونية يستفيد منها جميع المواطنين.
وهذه ليست خصوصية أمريكية، بل نمط يتكرر في معظم الديمقراطيات الحديثة. فحين تُبنى الحقوق على أساس المساواة الدستورية، فإنها تفقد تدريجياً طابعها الفئوي، وتصبح جزءاً من النظام القانوني الذي يحكم المجتمع كله.
ولهذا فإن دراسة حركة الحقوق المدنية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دراسة لتاريخ الأمريكيين الأفارقة وحدهم، وإنما باعتبارها دراسة لكيفية تطور الديمقراطية الأمريكية ذاتها، وكيف استطاعت مجموعة كانت في البداية تطالب بإنصافها أن تدفع الدولة إلى إعادة تعريف معنى المواطنة، والحقوق، وسيادة القانون.
إن هذا الدرس يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للسودان. فالمبادئ التي تنشأ اليوم استجابة لمعاناة مناطق الحرب، أو المجتمعات التي تعرضت للتهميش التاريخي، لن تبقى – إذا أُحسن تأسيسها دستورياً – حقوقاً تخص تلك المجتمعات وحدها، بل ستصبح القاعدة القانونية التي تحمي جميع السودانيين، بغض النظر عن أقاليمهم، أو انتماءاتهم الثقافية، أو معتقداتهم الدينية، أو مواقعهم الاجتماعية.
وفي هذا تكمن القيمة الحقيقية للحظة الدستورية: فهي لا تمنح امتيازات لفئة، وإنما تعيد تعريف الدولة بحيث تصبح العدالة قاعدة عامة، لا استثناءً مؤقتاً.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك هو: من هم أكبر المستفيدين من هذه التشريعات؟ وهل اقتصرت نتائجها على الأمريكيين الأفارقة الذين قادوا النضال، أم أنها أعادت تشكيل حياة ملايين الأمريكيين الذين لم يشاركوا فيه، وبل الذين عارضوه؟
هذا ما سنتناوله في الجزء الثالث…
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

زر الذهاب إلى الأعلى