الأعمدة

أيُّ بؤسٍ هذا؟

عبد الكريم البليخ
أثار استغرابي وألمي منشورٌ كتبه أحد أصدقاء الطفولة في الرقة على موقع «فيسبوك»، تحدّث فيه عن ظاهرة تشغيل الأطفال في سنّ مبكرة جداً، بعدما باتت أسر كثيرة مضطرة إلى دفع أبنائها نحو سوق العمل، أملاً في تخفيف شيء من الأعباء المعيشية الثقيلة التي ترهقها.
هؤلاء الأطفال، الذين يُفترض أن تكون أماكنهم في المدارس وساحات اللعب، يجدون أنفسهم مجبرين على العمل في المحال التجارية والمطاعم والورش، مقابل أجور متدنية إلى حدٍّ يصعب تصديقه. فقد يعمل الطفل اثنتي عشرة ساعة يومياً، ولا يحصل في نهاية يومه الطويل إلا على مبلغ يعادل نحو ثلاثين سنتاً من الدولار، وكأن تعبه وطفولته وكرامته لا تساوي أكثر من ذلك.
بهذا الأجر الزهيد، لا يستطيع العامل شراء سندويشة فلافل، أو حتى سندويشة بطاطا أو شاورما.
وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يستطيع رب الأسرة تأمين أبسط احتياجات عائلته في ظل هذه الأجور المجحفة والانهيار المتواصل في قيمة الليرة السورية؟
إذا كان الدخل اليومي لا يكفي لسدّ حاجة فرد واحد إلى وجبة متواضعة، فكيف يمكن لأسرة مكوّنة من أب وأم وطفلين أن تؤمّن الطعام واللباس والدواء والكهرباء والماء؟ وكيف يمكنها دفع إيجار المنزل ومصاريف التعليم والتنقل، فضلاً عن الاحتياجات اليومية التي لم تعد ترفاً، بل من أساسيات الحياة؟
إن ما نقرؤه ونشاهده، وما ينقله أهلنا وأصدقاؤنا من الرّقة ومن مختلف المدن السورية، يدعو إلى الخجل والألم. واقعٌ قاسٍ ومذلّ، تتسع فيه رقعة الفقر، ويتعمق فيه الشعور بالعجز، بينما تتحول الطفولة إلى يد عاملة رخيصة، ويصبح الحصول على لقمة العيش معركة يومية لا تنتهي.
المعاناة تتفاقم، والشروخ الاجتماعية تتسع، وسعر الدولار يواصل ارتفاعه أمام الليرة، في حين تتراجع القدرة الشرائية إلى حدود مرعبة. فأين الحلول؟ وأين الخطط التي تحمي الناس من الجوع والاستغلال؟ وأين دور المؤسسات التي يفترض أن تقف إلى جانب المواطن، لا أن تزيد أعباءه وتستنزف ما تبقى لديه؟
أسئلة كثيرة نضعها أمام الحكومة السورية، التي تبدو عاجزة عن تقديم حلول حقيقية، في الوقت الذي يدفع فيه المواطن وحده ثمن الانهيار، بينما يواصل المتنفذون وأصحاب المصالح حماية مواقعهم وكراسيهم.
فإلى متى يبقى الفقراء وحدهم وقوداً للأزمات؟ وإلى متى تُسرق طفولة الأطفال على مرأى الجميع؟

زر الذهاب إلى الأعلى