الأعمدة

مسيحيو سورية .. حراس الذاكرة

#ملكون_ملكون
ينظر المسيحيون السوريون إلى بلادهم بوصفها مهد المسيحية، والأرض التي شهدت انطلاق هذه الرسالة في أرجاء المسكونة. فالرسول بولس، الذي أتى من طرسوس في أقصى شمال سورية القديمة، اهتدى في دمشق وسار في الطريق المستقيم الذي يصل بين الباب الشرقي حيث كنيسة القديس حنانيا وباب الجابية، حيث الطريق المفضية إلى القدس، أما موقع اهتدائه فهو على الأرجح في أول محطة على هذه الطريق، وهي قرية كوكب جنوبي غربي المدينة، وعند تأسيس الكراسي الرسولية كانت أنطاكية، عاصمة سورية القديمة، هي الكرسي الأول مقر الكنيسة الأم التي انبثقت منها كل الكنائس الشرقية فيما بعد.
يمكن القول أن نسب وأعداد المسيحيين في سورية ترتبط بالأوضاع السياسية السائدة، بدءاً من الحرب العالمية الأولى التي شهدت أكبر عملية نزوح لمسيحيي سورية الكبرى إلى الأمريكيتين وأستراليا، مروراً بالوحدة السورية المصرية، إلى عدوان عام 1967 إلى حقبة الثمانينات القلقة وما عكسته على النسيج الوطني بشكل عام.
تشير الإحصائيات إلى أن أن مسيحيي سورية كانوا يشكلون 10% من عدد السكان قبل عام 2011، ويؤكد الباحثون في تاريخ سورية الحديث أن هذه النسبة كانت أكبر من ذلك بكثير قبيل الحرب العالمية الأولى، وقد تكون أكثر من 40%، نظراً للهجرة الواسعة إلى الأمريكيتين أيام “السفر برلك”، ويشير هؤلاء الباحثين إلى أن عدد المنحدرين من أصول سورية مسيحية في الأرجنتين والبرازيل وباقي دول أمريكا اللاتينية يتجاوز 15 مليون نسمة.
بعد الاستقلال، تراجع حديث المكونات لصالح تصورات تسعى أو تجتهد للكلام عن شعب واحد بهوية وطنية سورية، أو عروبية، وكانت نسبة المسيحيين في سورية عشية الاستقلال 20% من سكان سورية، وكان التواجد المسيحي في الجيش السوري كبيراً، إذ كان عدد الضباط المسيحيين وفق إحصائية عام 1947: 68 ضابطاً من أصل 279 ضابط، أي بنسبة 27.3% .
تراجع وضع المسيحيين وتزايد قلقهم في عهد الوحدة بين سورية ومصر، ليس لأن العروبة “المصرية” تحوي جرعات زائدة من الإسلام وحسب، وهو ما يوقظ المخاوف القديمة حول الوجود والضياع؛ بل لأن سياسات هذه العروبة كانت مُستبعِدة للمسيحيين، فطوال سنين الوحدة لم يتقلد أي مسيحي منصباً وزارياً في الإقليم الشمالي «سورية».لذلك سرعان ما ستؤيد مرجعيات المسيحيين الدينية الإنفصال 1961، ومن هنا ندرك أن عهد الوحدة كان بداية لسحب ما تبّقى من حضور مسيحي في الشأن العام، ذلك أن وصول الجيش إلى الواجهة كان كفيلاً بإقصاء التعبيرات السياسية والإجتماعية المدنية التي لم يغبْ عنها المسيحيون، بل حتى في الجيش ذاته بدا وكأن وجود المسيحيين فيه بدأ ينحسر.
الهجرة المسيحية من سورية نحو العالم الجديد سيّما نحو الولايات المتحدة والبرازيل قد بدأت في أعقاب النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ فُتح باب الهجرة مع الإمتيازات القنصلية للمسيحيين، وهي في تلك المرحلة كانت هجرة بمعدلات طبيعية، لكنها تعمقت وتسارعت وتيرتها في أعقاب منتصف القرن التاسع عشر في بلاد الشام، تحديداً في أعقاب مذابح 1860. ونشطت الهجرة في أوساط الريف والمدينة على حد سواء، وكان جور الإقطاع المحلي والضرائب الباهظة والتجنيد الإجباري وسياسة التتريك التي انتهجتها جمعية الاتحاد والترقي فضلاً عن الإمتيازات الأوروبية على رأس عوامل الهجرة، التي تحولت إلى ما يشبه الظاهرة. الهجرة كان لها بشكل رئيسي أسباب ثلاثة: فمن ناحية كان أغلب المسيحيين من ملاك الأراضي والمستثمرين الاقتصاديين وهو ما أمّن لهم حضوراً فعّالاً في الساحتين الإقتصادية والإجتماعية ومكنّهم من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار، فعلى سبيل المثال 75% من الوكالات التجارية الأجنبية كانت بيد مسيحيين في منتصف القرن العشرين، لكن الدولة السوريّة اتجهت بعد “انقلاب البعث آذار 1968” نحو السياسة الإشتراكية ما عنى فعلياً تجريد المُلاك من أملاكهم الخاصة وإنهاء المبادرات الفردية في السوق مقابل سيطرة الدولة، ما أدى أولاً إلى فقدان الدور الإقتصادي لمصلحة الدولة وثانياً هجرة الطبقة الأكثر ثراءً وتهريب أموالها معها، فكانت المرحلة الأولى من الهجرة تلجأ إلى لبنان وفي المرحلة الثانية انطلقت نحو المغترب البعيد.
العامل الثاني تمثل بانعكاسات الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 وتحوّلت إلى اقتتال طائفي بين مكونات البلاد، فتحت الحرب الأهلية باب الهجرة للبنانيين عموماً ومسيحيي لبنان خصوصاً، الذين تربطهم بمسيحيي سورية علاقات قرابة وتجاور. لذلك فإن الهجرة اللبنانية دفعت بشكل أو بآخر إلى تشجيع الهجرة السوريّة.
العامل الثالث برز بتمرد الإخوان المسلمين في سورية والذي بدأ عام 1979 على يد “الطليعة المقاتلة” الجناح العسكري للحركة، واستمرّ حتى 1982 وتمركز في حماة وامتدّ نحو مناطق ومدن سوريّة مختلفة، وكان من نتائج تصاعد التطرف الديني لدى الحركة وما رافقه من خطابات وعمليات طائفية، تزايد الهجرة بشكل متسارع.
خلال سنوات الجمر السورية من 2011 وما تلاها، تعرض المسيحيون لسلسلة من الأحداث الدموية، وأدت الحرب الأهلية السورية إلى هجرة كبيرة للمسيحيين السوريين، حيث أشار تقرير إلى أن أعمال العنف في سورية أدت إلى هجرة 80% من مسيحيي سورية.
نسبة المسيحين في سورية تنخفض إلى 1% مع نهاية عام 2024، طبعا كانت النسبة حوالي 14% عام 1943 لغاية 2010، واقتربت من 20% في الفترة من 1920-1930، وكانت تبلغ أكثر من 40% قبل العام 1760
قد تبدو الأرقام صادمة ويظن البعض أنها ليست حقيقية أو هناك مبالغة ، لكن صدق او لا تصدق في الحسكة والقامشلي مثلاً حيث كان هناك ثقل مسيحي سكاني ، اليوم تبخر الوجود المسيحي فيها ، حاول أن تذهب إلى وادي النصارى في الشتاء حيث لا مصطافين ولا مغتربين ستجده مهجوراً ، نفس الكلام ينطبق على الأحياء ذات الغالبية المسيحية سابقاً كحي القصاع الدمشقي والأمريكان في اللاذقية والعزيزية في حلب، البيوت نصف مهجورة والنصف الثاني لايوجد به إلا المعمرون والشباب ممن لم يجد إلى السفر سبيلاً ، عام 2020 قبل كورونا كان المتبقي من المسيحيين المسجلين وفق الكنائس حوالي 600-700 الف يشكلون 2-3٪، اليوم مع انتهاء هذا العام 2024 النسبة تقترب من 1٪ مع تقدير بأنه تتجه كما العراق نحو 1-2 بالالف كلما اقتربنا من العام 2050 حيث سينقرض من تبقى…
وفي تقرير تحت عنوان: “مسيحيو سوريا.. مجتمع في طور الاندثار”، سلطت صحيفة “لوموند” الفرنسية في ايلول/سبتمبر 2024 الضوء على واقع المسيحيين في سوريا، قائلة إن الحرب والتصاعد الجهادي وغياب إعادة الإعمار، أثرت على الهوية التعددية للبلاد التي كانت مهد المسيحية.
وأضافت الصحيفة الفرنسية أنه يعيش اليوم سبعة مسيحيين في دير الزور، وهي مدينة تقع على حدود البادية السورية، بالقرب من الحدود مع العراق. أخ وأخت في السبعينات من العمر، وإخوة لخمسة أطفال لم يعودوا صغاراً أيضاً. ولم تعد أي عائلة مسيحية من العائلات الـ300 التي فرت من المدينة عام 2013، عندما سقطت أحياؤها الشرقية في أيدي جهاديي جبهة النصرة، ثم منافسيهم من تنظيم داعش.
وحسب منظمة حقوق الإنسان بلا حدود في بروكسل فان المسيحيون في سورية محكوم عليهم بالانقراض خلال عقدين من الزمن إذا لم يضع المجتمع الدولي سياسات محددة لحمايتهم. وتبين انه في حلب، “اختفى” ثلثا العائلات المسيحية لم يتبق الآن سوى 11.500 عائلة مقابل 37.000 عائلة في عام 2010. وتتكون كل عائلة مسيحية من 2.5 شخص فقط بسبب انخفاض معدل المواليد الذي يمكن تفسيره بالهجرة الجماعية للأزواج الشباب وعدم وجود مستقبل يمكن بناؤه في سورية للجيل القادم المحتمل. كذلك تشير بعض الإحصائيات إلى أن حوالي 40% من الأسر المتبقية ترأسها نساء، لكن فرص العمل المتاحة لهن أقل من الرجال. ويبلغ متوسط عمر أفراد الطائفة المسيحية 47 عاماً. ومع ارتفاعه بشكل مطرد، سيؤدي هذا الاتجاه إلى مجتمع متزايد الشيخوخة محكوم عليه بأن يصبح أقل ديناميكية وأن يموت ببطء بدون أحفاد.
وكان قد كشف تقرير نشرته منظمة “Aid to the church in need” (مساعدة الكنيسة المحتاجة) الخيرية الكاثوليكية، إن الأزمات والهجرة المستمرة تهدد بقاء ثلاثة من أقدم وأهم المجتمعات المسيحية في العالم في العراق وسورية وفلسطين.
وبحسب التقرير، فإن عدد المسيحيين في سورية انخفض خلال عقد من الزمن من مليون ونصف (10 في المئة من السكان) قبل عام 2011 إلى نحو 300 ألف حالياً 2022 (أقل من 2 في المئة من السكان).
ولعل موقف مسيحيو سورية مما حدث في البلاد منذ عام 2011 نجمله في النقاط التالية: الخوف من التغيير وعدم الاستقرار، التجارب المجاورة في الشرق الأوسط، الحذر من الإرهاب، ابتعاد نخبهم الثقافية عن الشأن العام وحصر نشاطاتهم الإجتماعية داخل أسوار كنائسهم، ذاكرة الخوف تاريخياً لديهم من السلطات الحاكمة، سيطرة الخطاب الديني على التيار المعارض، إضافة لخوف الكثير من المسيحيين من هيمنة تيارات إسلامية سياسية على الحكومة، مثلما حدث في الحكومات التي انبثقت عن الربيع العربي، والتي أصبحت أقل تسامحاً مع المسيحيين وأقل اعترافًا بحقوقهم. كما يخشى بعض المسيحيين من أنهم سوف يعانون نفس نتائج الإضطهاد والتطهير العرقي والتمييز الطائفي، (مثل مسيحيي العراق ومصر)، إذا تمت الإطاحة بالسلطة.
الكنائس الشرقية لها هويات تاريخية وحضارية ولاهوتية وسياسية، وبالتالي تعريفها بصفتها عربية هو تعريف مخالف لحقيقتها التاريخية والوجودية، فالعروبة أيديولوجية سياسية وثقافية معاصرة تستعيد في فرضياتها المرحلة الإسلامية كمرجعية معرفية لقراءة تاريخ المنطقة وتطور مستقبلها.
لقد أُعيد طرح مسألة الوجود المسيحي في هذه المنطقة من العالم من خلال مطالب التغيير والاصلاح التي هبت على المنطقة بعد أن كان وجودهم يشبه أكباش محرقة أو موضعاً لنزاعات بديلة بين سياسات نفوذ داخلية أو إقليمية ما يعني أن الوجود المسيحي بات مسألة سياسية وبالتالي لابد من النظر اليها من خلال الحالة الديمقراطية والتي تحتم الاعتراف بالوجود المسيحي من خلال حقوق الانسان، إضافة لذلك فإن مسألة الوجود المسيحي في النطاق العربي ليست باستثنائية فهي جزء من صورة واسعة تطال مقاربة مسائل التعددية الدينية والثقافية والاثنية واللغوية والحضارية
لكن الأخطر هنا هو سقوط مفكرة التغيير الديمقراطي، فكلما اثيرت مسألة الوجود المسيحي في المنطقة العربية قوبلت إما بالتنكر لوجودها على أساس أن الحل قائم عبر سماحة الاسلام والسياسات الاسلامية المتنوعة عبر التاريخ، وبالتالي فلا حاجة لتسوية خاصة بالمسيحيين لكن الأسوأ في المشهد أن الديكتاتوريات القائمة وجدت في الوجود المسيحي أداة هامة لاستمرارها ولسياساتها لتعزيز نفوذها وتحفيز التطرف الإسلامي والبحث عن طوق نجاتها من خلال حمايتها للاقليات.

زر الذهاب إلى الأعلى