
محمد الفاتح حضرة
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
(النساء: 58)
🛑 بالأمس أصدرت إحدى محاكم الخرطوم أحكامًا غيابية بالإعدام بحق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وعبد الرحيم دقلو، وعدد من قادة قوات الدعم السريع، في القضية المتعلقة بمقتل والي غرب دارفور خميس أبكر.
ولا أجد حرجاً في أن أقول منذ البداية…
🧐🫵كل من ارتكب جريمة بحق الشعب السوداني يجب أن يُحاسب.
لا حصانة لأحد…
ولا قداسة لأحد…
ولا ينبغي أن يفلت أحد من العدالة، أيًا كان اسمه أو رتبته أو موقعه.
ولكن…
العدالة لا تُقاس بمن يُحاكم… وإنما أيضًا بمن لا يُحاكم.
ومن هنا تبدأ قراءتي..
📜 فزلكة تاريخية
إذا كانت الدولة قد قررت اليوم أن تبدأ محاكمة قادة الدعم السريع…
🫵فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل تبدأ العدالة من هذه المحطة… أم ينبغي أن تعود إلى بداية الطريق؟
منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003، ارتبط اسم الجنجويد، ثم قوات الدعم السريع بعد تقنينها، باتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة وثقتها تقارير أممية ومنظمات حقوقية، وظلت المطالبات المحلية والدولية بإجراء تحقيقات ومحاسبة المسؤولين عنها قائمة حتى اليوم.
🧐🤔لكن سؤالًا هاماً ظل غائباً…
من الذي أنشأ هذه القوات؟
ومن الذي سلحها؟
ومن الذي منحها الشرعية القانونية؟
ومن الذي استخدمها في حروب الدولة لأكثر من عشرين عامًا؟
لقد نشأت هذه القوات برعاية الدولة في عهد الرئيس عمر البشير، وعملت ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، ثم أصبحت بعد عام 2019 شريكًا كاملًا للمؤسسة العسكرية في السلطة، وتقاسمت معها النفوذ والقرار حتى اندلاع حرب 15 أبريل 2023..
ولذلك، فإن مساءلة هذه التجربة – إذا قامت على أساس قانوني عادل – لا ينبغي أن تقتصر على أحد طرفيها دون الآخر..
فإذا كان أحد الشريكين يقف اليوم أمام منصة الاتهام…
أليس من حق السودانيين أن يتساءلوا:
وأين هو الشريك الآخر؟
🩸 ماذا عن مجزرة فض اعتصام القيادة العامة؟
في الثالث من يونيو 2019 ارتُكبت واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ السودان الحديث.
قُتل معتصمون، واختفى آخرون، ووقعت انتهاكات مروعة، بينما كانت القوات الموجودة في محيط القيادة العامة ترتدي زي الجيش، وزي الشرطة، وزي قوات الدعم السريع، وفق ما وثقته الصور والشهادات، وظلت المسؤولية عن تلك الأحداث محل جدل ومطالبات مستمرة بتحقيق مستقل.
وبعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023، صرّح رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بأن قوات الدعم السريع هي التي ارتكبت مجزرة فض الاعتصام.
وهنا يتوقف العقل القانوني…
إذا كان هذا التصريح يتضمن إسناد المسؤولية إلى قوات الدعم السريع…
فلماذا لم تتحرك النيابة العامة للتحقيق على ضوء هذا التصريح؟
ولماذا لم تستدعِ من أدلى به لسؤاله عما لديه من معلومات أو أدلة؟
ثم سؤال آخر أكثر أهمية…
إذا كانت قوات الدعم السريع، آنذاك، جزءاً من القوات النظامية، وتعمل ضمن السلطة التي كان يقودها المجلس العسكري الانتقالي…
فهل تقتصر المسؤولية – إذا ثبتت الجرائم أمام القضاء – على المنفذين وحدهم؟
أم تمتد أيضًا إلى المسؤولية القيادية، إذا ثبت قانونًا علم القادة أو سيطرتهم أو تقصيرهم في منع الجرائم أو محاسبة مرتكبيها؟
أليست هذه أيضًا أسئلة تستحق أن تطرحها العدالة؟
⚖️ سؤال قانوني لا يجوز الهروب منه
فتحت النيابة العامة عشرات البلاغات تحت تهمة تقويض النظام الدستوري..
وبهذه التهمة نفسها، قُدم عدد من المدنيين السودانيين إلى المحاكم، وصدر بحق بعضهم الإعدام، وبحق آخرين أحكام بالسجن لسنوات طويلة.
ولكن…
ألم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 قد نُفذ بشراكة معلنة بين قيادة القوات المسلحة وقيادة قوات الدعم السريع؟
ألم يقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان والفريق أول محمد حمدان دقلو معًا لإعلان إنهاء الشراكة المدنية وتعليق العمل بالوثيقة الدستورية؟
إذا كان الأمر كذلك…
فلماذا طُبقت تهمة تقويض النظام الدستوري على مدنيين، بينما لم تمتد بالإجراءات نفسها إلى جميع القادة العسكريين الذين شاركوا في ذلك الحدث؟
هل القانون يتجزأ؟
أم أن العدالة ينبغي أن تكون واحدة على الجميع؟
⚖️ وهل العدالة تتجزأ في جرائم الحرب؟
بعد اندلاع الحرب، وُجهت إلى قوات الدعم السريع اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة.
وفي المقابل، وُجهت أيضًا إلى القوات المسلحة السودانية اتهامات من جهات أممية ودولية بارتكاب انتهاكات خطيرة خلال النزاع، كما أُثيرت اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، وهي اتهامات نفتها السلطات السودانية، بينما استمرت المطالبات الدولية بإجراء تحقيقات مستقلة.
🧐🤔إذا كان المعيار هو سيادة القانون…
فلماذا لا تمتد التحقيقات إلى كل من وُجهت إليه اتهامات تستوجب التحقيق، بصرف النظر عن موقعه أو صفته؟
📚 ماذا تقول العلوم السياسية؟ 🤔
تخبرنا العلوم السياسية أن الدول التي تعيش الحروب كثيرًا ما تتحول فيها مؤسسات الدولة إلى جزء من معركة الشرعية.
وفي مثل هذه الظروف، قد تُستخدم القوانين والمحاكم لترسيخ رواية السلطة، وإضعاف الخصوم، بينما تتراجع ملفات أخرى، ليس لأنها أقل خطورة، وإنما لأنها لا تخدم السياق السياسي نفسه.
وهنا يكمن الخطر…
ليس في محاكمة المتهمين…
بل في انتقائية العدالة.
فالعدالة الانتقائية لا تُقنع الضحايا…
ولا تبني دولة قانون…
ولا تُنهي الحروب.
📜 الخلاصة
أنا لا أدافع عن حميدتي…
ولا عن البرهان…
ولا عن أي قائد حمل السلاح أو شارك في صناعة هذه المأساة.
بل أدافع عن مبدأ واحد…
أن يكون القانون فوق الجميع.
فإذا كانت هناك محاكمات…
فلتكن لكل من تثبت مسؤوليته، دون استثناء، ودون انتقائية، ودون أن تتحول ساحات القضاء إلى امتداد لساحات القتال.
لأن الدولة التي تحاكم خصومها وحدهم…
وتغض الطرف عن شركاء الأمس…
لا تُنهي أزمة العدالة…
بل تؤجلها.
فالدول لا تنهار حين يفلت المجرمون من العقاب فحسب…
بل تنهار أيضًا حين يفقد الناس ثقتهم في أن العدالة تُطبق على الجميع.
وعندما يصبح القضاء طرفًا في نظر الناس، لا حكمًا بينهم… فإن أخطر ما تخسره الدولة ليس معركةً في الميدان… وإنما هيبة العدالة نفسها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
(المائدة: 8)



