الأعمدة

من يكتب تعريف الدولة؟

نزار عثمان السمندل
الحروب الطويلة لا تتنافس على المدن وحدها. يأتي وقت تتراجع فيه الجغرافيا إلى الخلف، ويتقدم سؤال آخر أكثر أهمية: من يملك حق تعريف الدولة عندما يسكت السلاح؟
هذا هو السؤال الذي يسيطر اليوم على السودان من جهتين تبدوان متباعدتين، بينما تنتميان إلى المشهد نفسه.
في لاهاي، ارتفع سقف الاتهامات الأميركية إلى مستوى غير مسبوق. حديث عن استخدام الجيش السوداني سلاحاً كيميائياً، ومطالبة بتحقيق دولي، وأسئلة شديدة الوضوح تقترب من شرعية السلطة التي تحكم، بعدما تجاوزت حدود المعركة إلى مسؤولية من أدارها، ومن دفع البلاد إلى هذا المصير.
وفي بورتسودان، يصنع البرهان مشهداً آخر في الاتجاه المقابل. تعيين أعضاء جدد في المحكمة الدستورية، تمهيداً لتشريع مرحلة انتقالية، يكون فيها رئيساً للجمهورية، ضمن مؤسسات يعاد ترتيبها تحت المظلة العسكرية، وكأن الدولة تستعجل إعادة بناء هياكلها بينما الحرب لم تغادر جسدها بعد.
لا تناقض بين المشهدين. أحدهما يفسر الآخر. فكلما ازدادت الشرعية اضطراباً في الخارج، ازدادت الحاجة إلى صناعة شرعية داخلية، وإلى إلباس القوة ثوب المؤسسة، وإحاطة السلطة باللغة التي تبدو أقرب إلى القانون منها إلى موازين الحرب.
ولا تكمن القضية في المحكمة الدستورية نفسها، ولا في عدد القضاة الذين يجلسون على مقاعدها. القضية في الزمن الذي تولد فيه المؤسسات، وفي المهمة التي تنتظرها. فالمحاكم، حين تستعيد الدول عافيتها، تقف بين السلطة والمجتمع حتى لا تبتلع الأولى الثاني. أما حين تولد وسط البنادق، فإنها تخاطر بأن تصبح جزءاً من معركة السلطة، تمنحها مفردات الشرعية، بينما تبقى العدالة بعيدة عن الذين دفعوا أثمان القتال.
الحرب تعرف هذه الحيلة جيداً. فهي لا تنتج الموت وحده، وإنما تنتج اللغة التي يستطيع الموت أن يختبئ خلفها. مراسيم، ولجان، ومحاكم، ومراحل انتقالية، حتى يبدو كل شيء وكأنه يتحرك إلى الأمام، بينما الزمن الحقيقي ما يزال واقفاً عند أول ضحية لم تجد من يسأل عنها.
لهذا يبدو المشهد السوداني وكأنه يبني السقف فيما البيت ما يزال يحترق.
ولا أحد يجادل في حاجة السودان إلى قضاء مستقل، أو إلى مؤسسات دستورية، أو إلى دولة تستعيد انتظامها. لكن المؤسسات تستمد معناها من العدالة التي تحرسها، لا من السلطة التي تنشئها. وحين يسبق الدستور الحقيقة، وتسبق المحكمة الاعتراف بالضحايا، يصبح القانون معرضاً لأن يتحول إلى وسيلة لتأجيل العدالة، لا إلى الطريق المؤدي إليها.
أخطر ما تفعله الحروب أنها تعيد تعريف معنى الدولة. يصبح الدستور وعداً مؤجلاً، وتتحول المحكمة إلى عنوان للشرعية قبل أن تكون عنواناً للإنصاف، ويغدو الانتقال السياسي وسيلة لتثبيت موازين القوة أكثر من كونه بداية لعقد جديد بين الدولة ومواطنيها.
كل سلطة تستطيع أن تعين قضاة، وأن تكتب المراسيم، وأن تعيد رسم مؤسسات الحكم. لكن ذاكرة الشعوب لا تمنح الشرعية لمن أحسن ترتيب السلطة، وإنما لمن أعاد للإنسان مكانته فيها.
ويبقى السؤال الذي سيظل يلاحق السودان في وقته الراهن، مهما بدل البرهان المؤسسات وغير عناوينها، خلال مشيه الدامي نحو كرسي الرئاسة: كيف يمكن لدولة أن تكتب مستقبلها، بينما لم تفرغ بعد من كتابة أسماء ضحاياها؟

زر الذهاب إلى الأعلى