
يبقى السؤال الكبير: ما السر وراء تصاعد الحديث مجددًا عن مسألة استخدام السلاح الكيميائي في بعض مراحل هذه الحرب اللعينة، مع توجيه أصابع الاتهام في هذا الجانب إلى الجيش السوداني، وفي هذا التوقيت تحديدًا؟
لقد برزت مستجدات لافتة عقب اللقاء الذي ترددت أنباء عن انعقاده في العاصمة المصرية القاهرة بين عضو مجلس السيادة والقيادي البارز في الجيش الفريق أول شمس الدين كباشي، وممثل الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط الدكتور مسعد بولس، وما أشيع عن تفاهمات أولية تتعلق بإقرار هدنة مرحلية تقود، في نهاية المطاف، إلى وقف الحرب وفتح الطريق أمام مسار سياسي، بعد إحراز تقدم في ملف إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين.
غير أن اللافت، وربما الأكثر إثارة، هو ما تردد من اتهامات نسبت إلى الفريق أول كباشي، تزعم أنه كان وراء تسريب معلومات تتعلق باستخدام عناصر مسلحة منتمية للحركة الإسلامية لسلاح محرم دوليًا، وهي مزاعم تزامنت مع تصاعد ضغوط أمريكية في هذا الملف.
وإذا افترضنا أن الضغوط الخارجية تأتي في إطار دفع جهود وقف إطلاق النار والتوصل إلى هدنة، فإن توقيت إثارة هذه الاتهامات بحق الفريق كباشي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هناك أطراف لا ترغب في نجاح أي مساعٍ يمكن أن تقود، ولو تدريجيًا، إلى إنهاء الحرب.
ويعيد ذلك إلى الأذهان ما قيل عن اتفاق أولي وُقِّع في المنامة بين الفريق أول شمس الدين كباشي وعبد الرحيم دقلو خلال الأشهر الأولى للحرب، قبل أن تتعثر تلك الجهود وتعود المواجهات إلى مربع التصعيد، بعد أن بدا حينها أن وقف القتال بات أقرب من أي وقت مضى.
وفي كل الأحوال، فإن ما يجري قد يكون مؤشرًا على وجود تباينات داخل بعض الأطراف المنخرطة في إدارة الحرب، والتي ظلت تراهن على الحسم العسكري باعتباره الخيار الوحيد في مواجهة قوات الدعم السريع.
وفي المقابل، يبدو أن الأصوات المدنية الداعية إلى إنهاء الحرب واستئناف المسار السياسي تزداد حضورًا وتماسكًا، رغم إدراك الجميع أن طريق السلام لن يكون سهلًا، وأنه سيكون محفوفًا بالعقبات والتعقيدات.
ومهما يكن من أمر، فإن السلام يظل الخيار الأقل كلفة، والأكثر قدرة على انتشال السودان من أزماته المتراكمة، بعد أن طالت الحرب وتشعبت آثارها، ولم يعد من سبيل إلا بالبحث عن معالجة جذرية لأسبابها، على أمل أن تكون هذه الحرب آخر أوجاع السودان، الوطن الجريح، وشعبه المنكوب، الذي لم تتسلل إليه التدخلات الخارجية إلا عبر ثغراتنا الداخلية.
والله من وراء القصد، وهو المستعان.



