
✍️ محمدالفاتح حضرة
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 71].
حين يقرأ كثير من المسلمين هاتين الآيتين، يظنون أنهما تتحدثان عن أهل الكتاب وحدهم، وأنهما مجرد قصة من قصص الأمم السابقة.
ولكن هل أنزل الله القرآن لنقرأ أخبار من سبقونا فقط؟
أم أنزله لنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا؟
إن المتدبر للقرآن يلاحظ أن الله لا يذم الأشخاص لذواتهم، وإنما يذم الأخلاق والمناهج. ولذلك فإن كل من وقع في هذه الأخلاق، فقد أصابه من الذم بقدر ما وقع فيه، مهما كان اسمه أو انتماؤه.
فالآيتان تحذران من مرضين خطيرين:
🫵لبس الحق بالباطل… وكتمان الحق مع العلم به.
ولم يترك القرآن هذا المعنى مجملًا، بل كشف صورته العملية، فقال بعد ذلك:
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72].
أي استعمال الدين للتأثير على الناس، بإظهار بعض الحق وإخفاء بعضه الآخر.
ولذلك قال الإمام الطبري في تفسيره: إن المقصود هو خلط الحق بالباطل وكتمان ما علموه من الحق.
وقال الإمام القرطبي: في الآية دليل على تحريم كتمان العلم.
وقال ابن كثير: نهى الله عن خلط الحق بالباطل وعن كتمان الحق مع العلم به.
ولذلك قرر شيخ الإسلام ابن تيمية قاعدة عظيمة فقال:
“لا يجوز لأحد أن يحتج ببعض الكتاب دون بعض، بل يجب الإيمان بالكتاب كله.”
وقرر الإمام الشاطبي أن جمع النصوص كلها في الباب الواحد واجب، وأن الاقتصار على بعضها من أسباب الانحراف في فهم الشريعة.
وهذا هو الذي حذر منه النبي ﷺ حين قال:
«لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع…»
قالوا: اليهود والنصارى؟
قال: «فمن؟»
(متفق عليه).
أي أن المسلم قد يقع في بعض الأخلاق والانحرافات التي وقع فيها من سبقه إذا لم يحذر.
🫧السودان… هل نراجع خطابنا الديني؟
إن ما جرى في السودان خلال هذه الحرب يدعونا جميعًا إلى وقفة صادقة مع كتاب الله.
فقد امتلأت المنابر والخطب والبيانات بالحديث عن القتال، وعن الصمود، وعن مواصلة الحرب، وعن رفض الهدنة، بل وصل الأمر عند بعض المتحدثين إلى مهاجمة كل من يدعو إلى وقف الحرب أو السعي إلى الصلح.
لكن… 🧐🤔
هل سمع الناس بالقدر نفسه قول الله تعالى:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾؟
وهل سمعوا:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؟
وهل ذُكِّروا بقوله تعالى:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟
وهل ذُكِّروا بقول النبي ﷺ:
«كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.»
(رواه مسلم).
إن القضية ليست في إنكار آيات القتال، فكل آيات القرآن حق.
🫵ولكن القضية هي:
هل يجوز أن يُقدَّم للناس بعض القرآن، بينما يُغفل بعضه الآخر؟
هل من الأمانة العلمية أن تُذكر النصوص التي تؤيد موقفًا معينًا، وتغيب النصوص التي قد تدعو إلى الإصلاح وحقن الدماء؟
إن هذا السؤال ليس اتهامًا لأحد، وإنما هو سؤال يفرضه القرآن نفسه.
🫧رسالة إلى الإخوان المسلمين المتقاتلين في السودان
يا إخوة الدين…
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المسلم أن يظن أنه يعمل بكل دين الله، بينما لم يسمع إلا جزءًا منه.
فاحذروا أن يخدعكم نصف الحقيقة.
فإن نصف الحقيقة قد يكون أشد خطرًا من الباطل الصريح.
اقرؤوا القرآن كله…
واجمعوا بين آيات الجهاد وآيات الإصلاح، وبين آيات القوة وآيات الرحمة، وبين آيات القتال وآيات حرمة الدماء.
فإن الله لم يأمر بالقتال في كل حال، كما أنه لم يأمر بالصلح في كل حال، وإنما أنزل كتابًا متكاملًا، يُفهم بعضه ببعض، ولا يُؤخذ بعضه ويُترك بعضه.
إن استمرار الحرب لا يقتل المقاتلين وحدهم، بل يهلك الحرث والنسل، ويشرد الملايين، وييتم الأطفال، ويرمل النساء، ويفسد الأرض، والله تعالى يقول:
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
ويقول:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
🫧🧐🫵ولا ينبغي أن يظن أحد من أهل السودان أن أمانة بيان الحق مقصورة فقط على العلماء والدعاة وحدهم….
نعم، هم أشدّ الناس مسؤولية، وأعظمهم مؤاخذة إذا لبسوا الحق بالباطل أو كتموا الحق وهم يعلمون..
🫵و لكن كل مسلم يعلم من الحق شيئًا، ويستطيع أن يبينه بالحكمة والصدق، فهو مطالب بألا يكون شريكًا في كتمان الحق أو ترويج الباطل.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقال النبي ﷺ:
«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»
(رواه مسلم).
ولذلك فإن واجب كل مسلم في هذه الفتنة أن يبين من الحق ما يعلمه، وأن يدعو إلى ما أمر الله به من العدل والإصلاح وحقن الدماء، وأن يحذر من الباطل بقدر علمه، دون أن يقول على الله ما لا يعلم..
الصمت عن الحق حين يحتاج الناس إلى بيانه قد يفتح المجال للباطل ليملأ الأسماع والقلوب، وكلمة الحق الصادقة قد تكون سببًا في هداية إنسان، أو حقن دم، أو إطفاء فتنة، أو إنقاذ وطن من مزيد من الخراب. والله سبحانه يقول:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
🧐🫵وتذَكَّر…
لعل واحدًا من هؤلاء الذين يقتتلون اليوم في السودان ، ويُسفكون دماء بعضهم بعضًا، ويُهلكون أنفسهم، ويُدمرون بلادهم، ويُشردون الأبرياء، سيقف معك يوم القيامة بين يدي الله، فيقول: يا ربِّ، لقد كان هذا الإنسان يعلم الحق، ورأى الباطل الذي كنت فيه، فلم ينصحني، ولم يبين لي، وترك دعاة الفتنة يملؤون سمعي وقلبي، وسكت..
فبماذا سيكون جوابك بين يدي الله؟‼️💢
إن الله لم يأخذ الميثاق على العلماء وحدهم، بل قال:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾
[آل عمران: 187]
أمر الله المؤمنين جميعًا بالتعاون على البر والتقوى، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌّ بحسب علمه وقدرته.
فلا تحتقر كلمة حق تقولها بإخلاص، فقد يمنع الله بها سفك دم حرام ، أو يرد بها إنسانًا عن فتنة، أو يوقظ بها ضميرًا غفل عن كتاب الله.
📜وفي الختام…
يبقى السؤال الذي يوجهه القرآن إلى كل داعية، والي كل مفتٍ، وكل عالم، وكل من يتحدث بإسم الإسلام:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
فهل نحن نبلغ الناس كتاب الله كله… 🤔
أم أننا نبلغهم منه فقط ما يوافق إجتهاداتنا ومواقفنا السياسية والمذهبية ، ونسكت عما سواه؟
🫵ذلك سؤالٌ ينبغي أن يجيب عنه كل واحد منَّا بينه وبين الله ، قبل أن يجيب عنه أمام الناس.



