


كتب: معاوية أبوالريش
في مفارقة تختصر مأساة الحكم في السودان، تكشف وثيقة رسمية صادرة عن مكتب مهندس التنمية بولاية الخرطوم، بتاريخ 13 مايو 2026، عن واقع لا يمكن تصديقه لولا أنه مكتوب بختم الدولة نفسها: رصدت حكومة ولاية الخرطوم مبلغ 327,165,000 جنيه سوداني – ما يعادل نحو 100 ألف دولار أمريكي- لتأهيل وصيانة منزل شخص واحد فقط: الأمين العام لحكومة الولاية.
الوثيقة، التي أوردتها الصحفية رشان أوشي، تُظهر أن نسبة الإنجاز في المشروع بلغت 60%، وأن المقاول المنفذ استحق بموجب ذلك دفعة صرفية أولى بقيمة 197,206,600 جنيه، أي أن الفاتورة النهائية، عند اكتمال العمل، ستكون أضخم من ذلك بكثير. مشروع “صيانة منزل” يُدار بكل الرسميات: مخاطبات، تصديقات، أختام، ومقاول متعاقد – كأنه محطة كهرباء أو مستشفى، لا جدارًا يُطلى وسقفًا يُرمَّم.
حين يُصان قصر… ويُترك وطن بلا ماء ولا كهرباء
هذا الإنفاق الباذخ لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع الذي يرزح تحته أهل الخرطوم كل يوم. فبينما تُرصد الملايين لترميم منزل مسؤول، تقف الأسر في طوابير طويلة أمام صهاريج المياه، وتُضطر لشراء الماء بأسعار تفوق طاقتها. وبينما يُموَّل مشروع شخصي بسخاء، يغرق حي بعد حي في العتمة لشهور متواصلة، دون أفق لحل أزمة الكهرباء المزمنة التي تحوّلت إلى قدر يومي يتوارثه الناس بصمت. وفوق هذا كله، يسحق غلاء المعيشة الجامح ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود، وهو يقتات على راتب لا يكفي أسبوعًا من الاحتياجات الأساسية.
هذا التناقض الصارخ ليس مجرد سوء تقدير إداري عابر، بل هو مرآة مصغّرة لأزمة حكم أعمق: دولة تُدار مواردها الشحيحة بمنطق الامتياز الفردي، لا بمنطق المسؤولية العامة تجاه من يُفترض أنها تخدمهم.
ما الذي يميز الأمين العام عن بقية الشعب؟
هنا يفرض السؤال نفسه بكل ثقله: ما الذي يجعل مسكن مسؤول واحد يستحق مئة ألف دولار من المال العام، بينما لا تستحق مدرسة متهالكة في أم درمان، أو مستشفى بلا كهرباء في بحري، أو محطة مياه معطلة في جنوب الخرطوم، جزءًا يسيرًا من هذا المبلغ؟ هل الأمين العام إنسان استثنائي، أم مواطن يتقاسم مع ملايين السودانيين ذات الوطن، وذات الانهيار، وذات المعاناة؟
الإجابة الوحيدة المنطقية: لا شيء يميزه سوى موقعه على كرسي يمنحه سلطة التصرف في المال العام. وهذا بالتحديد ما يجعل من هذه الواقعة نموذجًا فجًا لاستغلال المنصب والنفوذ.
سؤال الجوهر: من تخدم الحكومة؟
يقودنا هذا إلى سؤال بديهي، لكنه بات غائبًا عن الممارسة: هل وظيفة حكومة الولاية أن تصون بيوت مسؤوليها، أم أن تُعمّر مرافق الولاية وتقدّم الخدمات لمواطنيها؟ الجواب معروف لكل طالب في العلوم الإدارية: الحكومة المحلية وُجدت لخدمة الشأن العام – الطرق، المياه، الكهرباء، الصحة، التعليم – لا لتكون صندوقًا مفتوحًا لرفاهية القائمين عليها.
حين تتحول ميزانية “التنمية” إلى أداة لترميم منزل شخصي، يُفرَّغ مفهوم التنمية ذاته من معناه، ويتحول إلى غطاء ناعم لنهب منظم. واستخدام صفة “مهندس التنمية” و”المكتب التنفيذي للوالي” لتمرير مثل هذا الإنفاق ليس إجراءً إداريًا عاديًا، بل استغلال مكشوف للسلطة: توظيف لأدوات الدولة ومواردها في خدمة مصلحة شخصية بحتة، تحت غطاء رسمي يمنحها شرعية زائفة.
من يحاسب؟
الأخطر من رقم الـ327 مليون جنيه نفسه هو غياب أي آلية رقابية واضحة تمنع تكرار هذا العبث. فحين تُصرف مبالغ بهذا الحجم دون رقيب أو حساب، بينما يغرق المواطن في العطش والظلام والفقر، يصبح من حقه أن يسأل: من صادق على هذا المشروع؟ ومن قرر أن منزلًا شخصيًا يستحق الأولوية على محطة مياه أو خط كهرباء يخدم آلاف الأسر؟
استمرار هذا النمط من الإنفاق، في ظل انهيار اقتصادي غير مسبوق، لا يهدد فقط ما تبقى من ثقة بين المواطن والدولة، بل يُعمّق شرخًا أخلاقيًا وسياسيًا يصعب رأبه: شعور المواطن بأنه تُرك وحيدًا يواجه مصيره، بينما تُدار موارد بلاده لخدمة من يُفترض أنهم في خدمته هو، لا العكس.
فحين يعطش وطن بأكمله، ويُرمَّم قصر مسؤول واحد، لا يعود السؤال “كم كلّف هذا البيت؟”، بل يصبح: “كم وطنًا يمكن أن يُبنى بثمن هذا الصمت؟”



