الأعمدة

بين المقدس والسياسي: لماذا تفشل الدولة الدينية وتنجح الدولة المدنية؟

بقلم/ إيهاب الأمين

في خضم النقاش الفكري حول أنظمة الحكم، وتحديداً عند ما قمت بتسليط الضوء على مزايا النظام العلماني (المدني)، أُثيرت عواصف من الردود الانفعالية، ولن أرد على الردود الجاهلة او الاتهامات الغبية التي تم توجيهها إليّ إذ لا يستحق من أوردوها تضييع الوقت معهم، وكان من أبرز ما وُجه إليّ من انتقادات، الاستدلال بالآية القرآنية الكريمة (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُون)، في سياق يُراد منه أن الخروج عن النظام الديني في الحكم هو خروج عن الملة.
وهنا، يجب أن نتوقف بهدوء وعقلانية لنفكك هذا الخلط الكبير بين المقدس والسياسي، دون تجريح أو تكفير، بل بوضع كل شيء في نصابه العلمي والمنطقي.
أولاً/ الخطيئة المنهجية في توظيف النص:
إن توظيف نص ديني لحسم نقاش سياسي معاصر هو خطيئة منهجية تقع فيها الأنظمة الثيوقراطية (الدينية). فالنصوص الدينية في جوهرها تتناول العقيدة والعبادات والأخلاق، وهي مجالات ثابتة تتعلق بعلاقة الإنسان بربه وبضميره. أما السياسة وإدارة الدولة وتشريع القوانين التنظيمية، فهي من باب المعاملات والسياسة الشرعية التي نص فقهاء وعلماء مسلمون عظام على أنها تتغير بتغير الزمان والمكان والمصلحة العامة.
الحكم العلماني لا يرفض الأخلاق أو العدالة وهي مقاصد مشتركة بين الأديان، بل هو يرفض احتكار تفسير المقدس لإدارة شؤون البشر المتطورة. الدولة ليست نبياً، والقانون الوضعي ليس وحياً، بل هو نتاج عقل بشري جماعي يسعى لتنظيم الحياة.
ثانياً/ العيوب الهيكلية للحكم الديني
عندما ندرس أنظمة الحكم الديني تاريخياً وواقعياً، نكتشف عيوباً هيكلية لا يمكن تجاوزها:
1/ تقديس السلطة والاستبداد:
في النظام الديني، الحاكم أو المؤسسة الدينية تتحدث بلسان الإله. ومن هنا، فإن معارضة الحاكم لا تُعد مجرد معارضة سياسية، بل تُصبح خطيئة وهرطقة. هذا يفتح الباب لاستبداد مطلق، حيث يُسكت المعارضون باتهامهم بمحاربة الله، مما يعدم أي رقابة شعبية أو محاسبة.
2. جمود القوانين وتجميد المجتمع:
النصوص الدينية ثابتة، بينما المجتمعات البشرية في تطور مستمر. كيف يمكن لنصوص كُتبت قبل آلاف السنين أن تنظم تفاصيل البنوك، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، وحقوق الإنسان الحديثة؟ النظام الديني يُجبر المجتمع على تقويم الحاضر وفقاً لماضٍ بعيد، مما يؤدي إلى جمود حضاري.
3/ المواطنة من الدرجة الثانية:
الحكم الديني بطبيعته يقسم الناس إلى مؤمنون وآخرون. وهذا يدمر مفهوم المواطنة المتساوية، حيث يصبح الانتماء للعقيدة هو معيار الحقوق والواجبات، مما يهدد التنوع ويؤجج الصراعات الطائفية.
4/ توظيف الدين وتلويثه:
تجار الدين لا يستخدمون الدولة لخدمة الدين، بل يستخدمون الدين لتبرير فشل الدولة. وعندما يرتكب النظام الديني مجازر أو يفشل اقتصادياً، فإن الناس لا يلقون باللوم على السياسي فحسب، بل يمتد السخط إلى الدين نفسه، وهذا هو أكبر ضرر يمكن أن يُلحق بالمعتقدات الروحية.

*ثالثاً/ فضائل النظام العلماني (الدولة المدنية):
في المقابل، يقدم النظام العلماني حلاً عقلانياً وعادلاً لإدارة التنوع البشري، وذلك من خلال المزايا التالية:
1/ حياد الدولة وضمان الحرية: العلمانية لا تعني محاربة الدين، بل تعني حياد الدولة تجاه الأديان. الدولة لا تتبنى ديناً رسمياً، ولا تفرض وصاية على ضمائر المواطنين. هذا يضمن حرية المعتقد، ويمكّن الناس من ممارسة شعائرهم بصدق وإيمان بعيداً عن إجبار الدولة ونفاقها.
2. المواطنة الكاملة والمساواة:
في الدولة المدنية، المعيار الوحيد للحقوق والواجبات هو الإنسانية والمواطنة. لا يوجد مواطن ممتاز بسبب دينه، ومواطن منبوذ بسبب معتقده. الجميع سواسية أمام القانون.
3/ مرونة القوانين وتطورها:
القوانين في النظام العلماني يضعها ممثلون منتخبون بناءً على دراسات علمية، وتجارب بشرية، ومقتضيات العصر. إذا فشل قانون، يمكن تعديله أو إلغاؤه. القانون هنا بشري قابل للنقد والتطوير، وليس إلهياً مقدساً لا يمس.
4/فصل السلطات ومحاسبة الحكام:
في النظام العلماني، الحاكم “بشر” يُنتخب ويُحاسب ويُعزل. لا قداسة له، ولا حصانة دينية. هذا الفصل يضمن انتقال السلطة سلمياً، ويمنع تحول الحاكم إلى مقدس لا يُسأل عما يفعل.
إن الرد على من يستدلون بالآيات الكريمة لتبرير الحكم الديني، ليس بإنكار قدسية النصوص، بل بتوضيح أن السياسة علم بشري دنيوي، والدين مجال روحي أخروي.
إن محاولة إدارة دولة حديثة ومعقدة بنظام مستمد من قرون مضت، وتغليف الفشل السياسي بعباءة دينية، هو إهانة للعقل البشري، وإساءة للدين نفسه. الدولة المدنية العلمانية هي الضمانة الوحيدة لحريات الأفراد، وتطور المجتمعات، وحماية الأديان من أن تتحول إلى أدوات سياسية بيد المستبدين.
لنترك المقدس للضمير والروح، ولنترك السياسي للعقل والقانون؛ فهذا هو سر نهضة الأمم.

زر الذهاب إلى الأعلى