الأعمدة

السعودية : مستقبل السودان لا يمكن أن تُمليه جماعات متطرفة عنيفة تشكّل جزءًا من أو ترتبط بشكل موثّق بجماعة الإخوان

مجاهد بشري
■ في 19 و20 نوفمبر 2025 دخل ملف السودان مرحلة سياسية جديدة.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن من واشنطن أنه سيبدأ العمل على إنهاء الحرب في السودان، استجابة لطلب مباشر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. 
● ترامب قال في المنتدى الأميركي السعودي للاستثمار إن “تسوية النزاع في السودان لم تكن ضمن مخططاته”، لكن ولي العهد السعودي جعله يهتم بهذا الملف، وإنه بدأ دراسة القضية بعد دقائق من لقائه بمحمد بن سلمان.
● بالتوازي، أعلن ترامب أنه سيعمل مع السعودية والإمارات ومصر وشركاء آخرين في الشرق الأوسط لإنهاء الفظائع في السودان.
● هذه الرسائل لا تعني مجرد “تصريح إعلامي”، بل تعلن فتح مسار جديد عنوانه:
تسوية النزاع في السودان عبر تسوية سياسية كبرى، وليس مجرّد هدنة قصيرة.
● في هذه اللحظة تحديدًا، خرج بيان علي كرتي باسم الحركة الإسلامية السودانية، يشكر “المسعى الحميد” لولي العهد السعودي، ويهاجم ما يسميه “دويلة الشر” عبر “مليشياتها المتمردة”.
هنا تظهر المفارقة الكبيرة بين حقيقة الموقف السعودي ومحاولة الإسلاميين تزييف هذا الموقف واختطافه لصالحهم.
■ موقف السعودية المعلن من الإخوان المسلمين في السودان
قبل خطاب ترامب الحالي بأسابيع، كان الموقف السعودي قد حُسم بوضوح.
في 13 سبتمبر 2025 صدرت صياغة دبلوماسية مركزية جاء فيها أن:
● مستقبل السودان لا يمكن أن تُمليه جماعات متطرفة عنيفة تشكّل جزءًا من أو ترتبط بشكل موثّق بجماعة الإخوان المسلمين، وأن نفوذ هذه الجماعات المزعزع للاستقرار كان سببًا في تأجيج العنف وعدم الاستقرار في المنطقة. 
هذه العبارة ليست تفصيلًا صغيرًا.
هي إعلان صريح بأن:
• الإسلاميين في السودان جزء من المشكلة، وليسوا جزءًا من الحل.
• الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين مرفوضة كشريك في رسم مستقبل السودان.
• المطلوب هو حكومة مدنية مستقلة واسعة التمثيل، بعيدة عن سيطرة هذه الجماعات. 
بمعنى آخر:
السعودية لا ترى في الحركة الإسلامية السودانية شريكًا لمستقبل السودان، بل تراها جماعة متطرفة مزعزعة للاستقرار.
من هذه الزاوية يبدو بيان علي كرتي، الذي يقدّم نفسه كحليف لمحمد بن سلمان، محاولة لتزوير الموقف السعودي أو على الأقل قلب دلالاته.
■ تفكيك بيان علي كرتي… بروباغندا في لحظة حصار
1. افتتاحية قرآنية لتغليف خطاب سياسي مأزوم
● البيان يبدأ بآية من سورة الحج عن الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق.
الهدف واضح:
• وضع الإسلاميين والجيش في موقع “المظلوم”.
• تصوير الحرب كأنها عدوان من “دويلة الشر” و“مليشياتها المتمردة”.
• تغليف خطاب سياسي متهم بالإرهاب والجرائم، بغلاف ديني وعاطفي.
لكن هذه الآية تُستخدم هنا خارج سياقها، لتبرير مشروع سياسي مكشوف.
2. “المسعى الحميد” وطلب الاحتماء بشرعية محمد بن سلمان
● البيان يصف تحرك ولي العهد السعودي بأنه “مسعى حميد مبارك”، ويشكر محمد بن سلمان لأنه “يدافع عن أهل السودان” ويُجلّي الحقائق للعالم.
هذا ليس مجرد ثناء.
هذه محاولة واضحة لـ:
• إلصاق الحركة الإسلامية بمعسكر محمد بن سلمان.
• الإيحاء بأن المملكة تقف في صفّهم في مواجهة الإمارات والدعم السريع.
• تحويل مبادرة سعودية – أميركية واسعة لتسوية النزاع، إلى “نُصرة لمعسكر الإسلاميين”.
بينما النصوص الرسمية المذكورة أعلاه تقول عكس ذلك تمامًا.
3. “دويلة الشر”… الترميز الجبان ضد الإمارات
التعبير “دويلة الشر” هو مفردة مشفّرة يتجنب بها الإسلاميون ذكر الإمارات بالاسم، مع أنها المقصودة مباشرة:
“دويلة الشر عبر مليشياتها المتمردة التي أخرجت السودانيين من ديارهم…”
في خطاب الحركة الإسلامية:
• الإمارات هي “دويلة الشر”.
• الدعم السريع هو “مليشياتها المتمردة”.
• الجيش والإسلاميون هم “ضحايا مؤامرة خارجية”.
لكن في الواقع:
• الإمارات تُصنّف الإخوان المسلمين كخطر أساسي على أمنها القومي، وتعارض عودتهم للحكم في أي بلد عربي. 
• السعودية تتبنى الرؤية نفسها تجاه الإخوان.
• مصر تعتبر الجماعة تنظيمًا إرهابيًا وتحارب امتداداتها السودانية منذ سنوات.
التعبير “دويلة الشر” هنا محاولة يائسة لنقل مسؤولية الحرب إلى الإمارات، بعد أن أصبح دور الإسلاميين في إشعال الحرب وتوجيه الجيش تحت الضوء الدولي المباشر.
4. إعادة تقديم الحركة الإسلامية كـ“ممثّل الشعب”
البيان يقول:
“الحركة الإسلامية السودانية تجدد عهدها للشعب السوداني وقيادته بالوقوف في صف الحق والعدل…”
هنا يحاول علي كرتي أن:
• يعيد تقديم الحركة الإسلامية كقوة شعبية لها شرعية.
• يصوّرها كحامل لمشروع “الكرامة والسيادة”.
• يتجاهل تمامًا أن الشعب السوداني ثار على هذا المشروع ذاته في ثورة ديسمبر 2018، وأسقط حكم البشير الذي مثّل تحالف الجيش والإسلاميين.
في السياق الحالي، هذا الكلام لا يعبّر عن “ثقة بالنفس”، بل عن محاولة استعادة شرعية مفقودة داخليًا وخارجيًا.
■ الإجماع الإقليمي والدولي ضد الإسلاميين في السودان
● الحرب في السودان كشفت اتجاهًا واحدًا لدى معظم الفاعلين الإقليميين والدوليين:
رفض أي عودة للإخوان المسلمين أو امتداداتهم السودانية إلى السلطة.
1. السعودية
• أعلنت بشكل واضح أن “مستقبل السودان لا يمكن أن تُمليه جماعات متطرفة مرتبطة بالإخوان المسلمين”. 
• تدعم مسارًا يقود إلى حكم مدني مستقل، بعيد عن تحالف الجيش والإسلاميين.
2. الإمارات
• تعتبر الإخوان تهديدًا استراتيجيًا، وتعمل منذ سنوات على محاصرتهم في المنطقة.
• رغم الاتهامات بتمويل أو تسليح الدعم السريع في فترات سابقة، تواجه أبوظبي الآن ضغطًا دوليًا كبيرًا، وتعلن أنها تريد انتقالًا مدنيًا خاليًا من نفوذ الإسلاميين. 
3. مصر
• حظرت جماعة الإخوان المسلمين وصنّفتها تنظيمًا إرهابيًا.
• تنظر بريبة شديدة لأي محاولة لإعادة الإسلاميين في السودان إلى المشهد رغم دعمها العسكري و السياسي للجيش، وتخشى من تأثير ذلك على أمنها الداخلي.
4. الولايات المتحدة
• تتجه لمقاربة تعتبر الإخوان المسلمين في السودان جزءًا من الكتلة المتطرفة المهدِّدة للاستقرار. 
• فرضت عقوبات على شخصيات سودانية مرتبطة بالتيار الإسلامي وتحالفت مع إيران، مثل جبريل إبراهيم، وأشارت إلى خطورة تحالف الإسلاميين مع طهران وموسكو. 
• التصريحات المتكررة لمبعوث ترامب لأفريقيا مسعد بولس تربط بين استمرار الحرب ونفوذ الإسلاميين داخل الجيش والسلطة. 
5. الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)
الرباعية طرحت مبادرة لهدنة إنسانية لثلاثة أشهر، تتبعها عملية سياسية أطول، مع تأكيد أن السودان يجب ألا يبقى رهينة لجماعات متطرفة مرتبطة بالإخوان المسلمين. 
هذا يعني أن:
• الإسلاميون فقدوا الغطاء الإقليمي الذي كانوا يعتمدون عليه سابقًا.
• المشروع الإسلامي في السودان أصبح عبئًا على حلفاء الأمس قبل خصوم اليوم.
في هذا السياق، بيان علي كرتي يبدو كخطاب دفاع أخير في لحظة انهيار.
■ موقع الدعم السريع في مشهد “تسوية النزاع”
● من ناحية الوقائع السياسية والدبلوماسية:
• في 6 نوفمبر 2025، أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على مقترح هدنة إنسانية طرحته الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر). 
• الاقتراح يتحدث عن هدنة لثلاثة أشهر، يليها مسار سياسي يمتد لتسعة أشهر من أجل تسوية شاملة للصراع. 
• الجيش السوداني حتى الآن إمّا صامت أو يربط موافقته بشروط تعجيزية، مثل انسحاب الدعم السريع من المدن وتسليم السلاح قبل الحديث عن الترتيبات السياسية. 
سياسيًا، هذا يضع:
• الدعم السريع في خانة الطرف الذي يقبل مبدأ التسوية، على الأقل في الخطاب.
• الجيش في خانة الطرف الذي يعرقل التسوية ويصر على “الحسم العسكري”، وهو حسم أثبت الواقع أنه غير ممكن.
لكن من زاوية التحليل السياسي البحت، فإن:
• خط التسوية الذي يتحدث عنه محمد بن سلمان وترامب ينسجم – شكليًا – مع موقف الدعم السريع المعلن.
• ويتصادم مع موقف الجيش، الذي يظلّ رهينة قرار الإسلاميين في بورتسودان.
هذه النقطة بالذات هي التي تجعل الإسلاميين في حالة ذعر سياسي، وتفسر لهجتهم الهجومية على الإمارات والدعم السريع ومحاولة خطف اسم محمد بن سلمان إلى صفّهم.
■ دلالات استخدام ترامب لعبارة “تسوية النزاع”
● ترامب لم يتحدث عن “وقف إطلاق نار” فقط.
المصطلح الذي تكرر في تغطيات إعلامية من الجزيرة وسكاي نيوز وسي إن إن العربية هو مفهوم “تسوية النزاع” أو “حل الأزمة السودانية”. 
هذا المصطلح يعني:
1. وقف الحرب عبر هدنة إنسانية حقيقية.
2. منع الدعم العسكري الخارجي للطرفين، كما أشار مسعد بولس. 
3. فتح مسار سياسي لا يسمح للجماعات المتطرفة المرتبطة بالإخوان بالتحكم في مستقبل السودان. 
4. الوصول إلى حكم مدني في “سودان موحد” كما قال بولس، وليس دولة عسكرية تحت هيمنة الإسلاميين. 
إذًا، عندما يتحدث ترامب عن “تسوية النزاع في السودان”، فهو عمليًا:
• لا يمنح شرعية لخطاب علي كرتي.
• بل يتحرك داخل إطار سبق أن حدّده الموقف السعودي والأميركي والأوروبي:
لا مكان للإخوان المسلمين في مستقبل السودان.
■ من بيان كرتي إلى حقيقة المشهد… من يحتمي بمن؟
● إذا وضعنا كل العناصر معًا:
1. السعودية تعلن أن مستقبل السودان لا تمليه جماعات متطرفة مرتبطة بالإخوان.
2. الإمارات تحت ضغط دولي، لكنها ثابتة على موقف عداء الإخوان، وتؤكد دعم انتقال مدني بعيد عنهم. 
3. مصر تعتبر الإخوان خطرًا وجوديًا وترفض تمكينهم في السودان.
4. الولايات المتحدة تلوّح بعقوبات وتصنيفات ضد الإسلاميين السودانيين المتحالفين مع إيران وروسيا. 
5. الرباعية تدفع نحو هدنة إنسانية ومسار سياسي لا مكان فيه للجماعات المتطرفة. 
6. الدعم السريع يعلن موافقته على مقترح الهدنة، ويحاول تقديم نفسه كطرف منفتح على التسوية. 
7. الجيش ما زال أسيرًا لخطاب “الحسم” الذي يسيطر عليه الإسلاميون، في تعارض مع المزاج الدولي والإقليمي.
في هذا السياق، يصبح بيان علي كرتي:
• محاولة للهروب من هذا الحصار عبر الاحتماء باسم محمد بن سلمان.
• استخدامًا انتقائيًا لمبادرة سعودية – أميركية الهدف منها إنهاء نفوذ الإسلاميين، وليس حمايتهم.
• وسيلة لتضليل قواعد الإسلاميين بأن “السعودية معنا”، بينما الموقف السعودي المكتوب والموثق يقول العكس.
■ ماهو مهم
● الإجماع الإقليمي والدولي اليوم واضح:
لا عودة للإخوان المسلمين والحركة الإسلامية السودانية إلى الحكم، لا مباشرةً ولا عبر واجهة الجيش.
● خطاب ترامب عن “تسوية النزاع” ليس هدية لعلي كرتي، بل استمرار لمسار بدأته السعودية والرباعية، يهدف إلى:
● وقف الحرب.
● إضعاف نفوذ الإسلاميين داخل الجيش.
● فتح الطريق أمام حكم مدني.
● بيان علي كرتي هو اعتراف ضمني بأن الحركة الإسلامية فقدت أغلب حلفائها التقليديين، وأنها الآن تحاول بشدة أن تربط نفسها بولي العهد السعودي رغم أن الوثائق والبيانات الرسمية تجعلها في الجهة المعاكسة تمامًا.
بهذا المعنى، يمكن القول إن:
المؤكد اليوم هو رفض الجميع لسيطرة الإخوان المسلمين على مستقبل السودان، مهما حاول خطاب الحركة الإسلامية أن يتلطّف بالآيات والألقاب و”المساعي الحميدة”.

زر الذهاب إلى الأعلى