
#روما، ✍️ رضوان علي الحسن 🇮🇹
في مشهد يعكس التحول الصارخ الذي أصاب كرة القدم، يعلن الاتحاد الدولي “فيفا” عن مؤتمر صحفي خاص برئيسه جياني إنفانتينو قبل نهائي كأس العالم 2026، لكنه لا يفتح أبوابه للصحافة والإعلام كما يقتضي العرف، بل يفتحها للجماهير… مقابل 82 دولاراً! نعم، أصبح حضور مؤتمر صحفي سلعة تُباع وتُشترى. المؤتمر الصحفي كان ولا يزال منصة لنقل الأخبار والتصريحات الرسمية، أداة للتواصل بين الاتحادات والجماهير عبر وسائل الإعلام. لكن “فيفا” حوله إلى حلبة استعراضية، حيث على المشجع دفع 82 دولاراً كي يرى رئيس الاتحاد ويتنفس في فضاء المؤتمر، وكأنه يُشتري بطاقة دخول إلى حديقة حيوانات لا إلى حدث رياضي.
والطامة الكبرى: إذا كنت ترغب في صورة تذكارية مع ريو فرديناند، ادفع 172 دولاراً، ومع حارس الرأس الأخضر فوزينيا، 116 دولاراً. وكأن أساطير اللعبة أصبحوا سلعاً في مزاد علني، تُحدد أسعارهم وفقاً لـ”شعبية” اللاعب وليس وفق قيمتهم الإنسانية أو الرياضية. لكن السؤال الأكثر إحراجاً: من يدفع 82 دولاراً لصورة مع جياني إنفانتينو نفسه؟! بينما قد يجد البعض مبرراً (وإن كان واهياً) لدفع 172 دولاراً لصورة مع أسطورة مثل ريو فرديناند، فإن طرح سعر لصورة تذكارية مع رئيس الاتحاد هو ذروة السخرية. إنفانتينو ليس لاعباً، لم يهرول في الملاعب، ولم يمنح الجماهير لحظات بكاء أو فرح. هو مسؤول بيروقراطي، ورجل أعمال يرتدي بدلة، يُدير مؤسسة حولت كرة القدم إلى شركة مساهمة. تحويل صورته الشخصية إلى سلعة تدرّ إيرادات هو تضخيم مريض للذات المؤسسية، وكأن “فيفا” يظن أن الجماهير تأتي إلى المونديال لترى الوجه الإداري لا السحر الكروي. الأدهى: لو طبقنا منطق السوق، فمن المفترض أن تكون صورة إنفانتينو الأرخص، لأن الطلب عليها شبه معدوم بين عشاق الساحرة المستديرة. لكن العجب أن وضعها ضمن “الباقة المدفوعة” يوحي بأنهم يعتبرون لقاءه امتيازاً، بينما هو في الحقيقة مجرد عقبة إضافية على طريق متعة الجماهير. هنا لا ننتقد الجشع فحسب، بل ننتقد الوهم الذي يعيشه فيفا: أنه هو النجم، وليس اللاعبون.
يتحدث “فيفا” دوماً عن قيم الرياضة النبيلة: الروح الرياضية، التضامن، نشر الفرح، وجعل كرة القدم في متناول الجميع. لكن هذا الحدث يكشف الوجه الآخر: ريادة الأعمال بلا حدود، حيث يُعاد إنتاج ثنائية “الجمهور مستهلك والنجم منتج يُباع ويُشترى”. أين البعد الإنساني في أن يتكبد مشجع من جنوب أفريقيا أو الهند أموالاً طائلة ليس فقط لمشاهدة النهائي، بل حتى لحضور مؤتمر صحفي؟ ما يفعله “فيفا” هو استغلال ممنهج للشغف الكروي. فالجماهير ليست مجرد متلقين، بل شريان اللعبة، مصدر الحضور والعاطفة والولاء. وفي مقابل هذا التعلق الصادق، يرد الاتحاد بابتزاز عاطفي-مادي، يفرض رسوماً حتى على اللحظات التي يفترض أن تكون إعلامية ومعرفية صرفة. المؤتمر الصحفي ليس حفلة توقيع، ولا لقاءً ترفيهياً، بل فضاءً مهنياً. تحويله إلى “تذكرة دخول” مدفوعة هو هدم للحدود بين الجاد والترفيهي، وخلط مبتذل بين الصحافة والاستعراض.
ونحن كجماهير، كصحفيين، كمراقبين، نرفض هذه الممارسة التي تحول كرة القدم إلى واجهة عرض، وتجعل من رئيس الاتحاد مديراً لمتجر، ومن الأساطير بضائع تُعرض للزوّار. ليس لأننا ضد التجارة، بل لأننا ضد تحويل كل شيء إلى رقم في دفاتر الحسابات. الرياضة تنتمي إلى الجماهير، وإذا كان لا بد من التنظيم المالي، فليكن بشفافية وعدالة، وليس عبر ابتزاز المشاعر وتحويل علاقة التقدير إلى علاقة استهلاكية باردة. رسالتنا لـ”فيفا”: المؤتمر الصحفي يُعقد للصحافة والإعلام مجاناً، وللنقاش الجاد، وليس لجمع التبرعات من عشاق لعبة حولتموها إلى متجر متنقل. الكرة ليست للبيع… والجماهير ليست محافظ نقدية تمشون بها في مؤتمراتكم.



