الأعمدة

التعليم الذي يصنع الجهل باسم المعرفة.

زكريا نمر
من السهل أن نقيس نجاح أي نظام تعليمي بعدد المدارس التي شيدها، أو بعدد الجامعات التي افتتحها، أو بنسبة الالتحاق بالتعليم، أو بعدد الخريجين الذين تمنحهم الجامعات شهادات كل عام. لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تخبرنا بشيء عن السؤال الأكثر جوهرية: ماذا يصنع هذا التعليم في عقل الإنسان؟ وهل يخرّج مواطنا قادرا على التفكير والإبداع والإنتاج، أم مجرد فرد يحمل شهادة ويبحث عن وظيفة؟. لقد اعتادت المجتمعات، خاصة في العالم العربي وأفريقيا، أن تنظر إلى التعليم بوصفه طريقا للترقي الاجتماعي أكثر من كونه وسيلة لبناء المعرفة. فأصبحت الشهادة غاية في ذاتها، لا دليلا على امتلاك الكفاءة. وتحولت المدرسة من فضاء لاكتشاف العالم إلى مؤسسة تمنح أوراقا رسمية تؤهل أصحابها للانتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى. وهكذا أصبح النجاح يقاس بعدد الناجحين في الامتحانات، لا بعدد القادرين على حل المشكلات أو إنتاج المعرفة أو خلق فرص العمل.

إن الأزمة الحقيقية ليست في عدد سنوات الدراسة، وإنما في طبيعة هذه السنوات. فليس مهما أن يقضي الطالب اثني عشر عاما في المدرسة، أو خمسة أعوام في الجامعة، إذا كان في نهاية المطاف عاجزا عن التفكير المستقل، أو غير قادر على تحويل المعرفة إلى إنتاج. إن السنوات الطويلة التي لا تضيف مهارة حقيقية ليست استثمارا في الإنسان، بل استهلاك لعمره وطاقته. لقد تأسست معظم النظم التعليمية الحديثة في البلدان النامية على فلسفة تعود إلى عصر الثورة الصناعية، حين كانت المصانع بحاجة إلى عمال منضبطين أكثر من حاجتها إلى مفكرين مبدعين. ولذلك صممت المدارس لتعليم الطاعة والانضباط والالتزام بالتعليمات، أكثر من تعليم السؤال والاكتشاف. يجلس الطلاب في صفوف متشابهة، ويتلقون المعرفة من معلم واحد، ويحفظون الكتاب نفسه، ويجيبون عن الأسئلة نفسها، ثم يخضعون لامتحانات موحدة تقيس قدرتهم على استرجاع المعلومات، لا على فهمها أو نقدها.

هذه الفلسفة ربما كانت مناسبة لزمن اقتصادي مختلف، لكنها لم تعد قادرة على إعداد الإنسان لعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي لم تعد قيمة الإنسان فيما يحفظه من معلومات، لأن الوصول إلى المعلومات أصبح متاحا بضغطة زر، وإنما أصبحت قيمته فيما يستطيع أن يفعله بهذه المعلومات؛ كيف يحللها، وكيف يربط بينها، وكيف يحولها إلى حلول وأفكار ومشروعات.إن ما ينتجه التعليم التلقيني أنه يقتل الفضول. والفضول ليس صفة ثانوية، بل هو المحرك الأساسي لكل اكتشاف علمي وكل تقدم حضاري. الطفل يولد محبا للأسئلة، لكنه يدخل المدرسة فيتعلم أن السؤال قد يكون إزعاجا، وأن الإجابة النموذجية أهم من التفكير، وأن الخطأ عيب يجب تجنبه، لا فرصة للتعلم. ومع مرور السنوات يفقد شغفه الطبيعي، ويتحول إلى آلة تحفظ ما يطلب منها ثم تنساه بعد انتهاء الامتحان.ولذلك لا ينبغي أن نستغرب عندما نجد طالبا حصل على أعلى الدرجات، لكنه يعجز عن كتابة فكرة جديدة، أو إدارة مشروع صغير، أو تحليل مشكلة اجتماعية، أو اتخاذ قرار مستقل. لقد تعلم كيف يكرر، لكنه لم يتعلم كيف يبتكر.

وتزداد خطورة هذه الأزمة عندما يصبح التعليم منفصلا عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي. ففي كثير من الجامعات يدرس الطالب مقررات لا علاقة لها بسوق العمل، ويتخرج دون أن يزور مصنعا، أو مزرعة، أو مختبرا، أو مؤسسة إنتاجية، أو شركة ناشئة. يعيش سنوات طويلة بين القاعات الدراسية والكتب النظرية، ثم يصطدم بعد التخرج بعالم مختلف تماما لا يسأل عن عدد الكتب التي قرأها، بل عن المهارات التي يمتلكها.ومن تبدأ مأساة البطالة المقنعة. آلاف الخريجين يحملون شهادات جامعية، لكنهم لا يجدون عملا، ليس لأن الاقتصاد وحده عاجز عن استيعابهم، بل لأن النظام التعليمي لم يعدهم لاحتياجاته الحقيقية. لقد تعلموا كيف يجيبون عن أسئلة الامتحان، لكنهم لم يتعلموا كيف يجيبون عن أسئلة الحياة.إن كثيرا من الحكومات تتعامل مع التعليم باعتباره خدمة اجتماعية، بينما تتجاهل أنه أهم استثمار اقتصادي يمكن أن تقوم به الدولة. فالثروة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين ليست النفط ولا الذهب ولا الأراضي الزراعية، وإنما الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. والدول التي أدركت هذه الحقيقة لم تبن نهضتها على الموارد الطبيعية، بل على جودة التعليم والبحث العلمي والابتكار.

فاليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وفنلندا، لم تصبح نماذج عالمية لأنها تمتلك ثروات هائلة، وإنما لأنها جعلت المدرسة المكان الذي يتعلم فيه الإنسان كيف يفكر، لا كيف يحفظ فقط. وقد أدركت أن بناء العقل أهم من بناء المباني، وأن الاستثمار في المعلم أهم من الاستثمار في الجدران.، لا تزال كثير من الدول النامية تعتقد أن إصلاح التعليم يعني تغيير المناهج أو إضافة مادة جديدة أو زيادة عدد المدارس. وهذه إجراءات قد تكون ضرورية، لكنها لا تمس جوهر المشكلة. فالمناهج مهما كانت جيدة لن تحقق أهدافها إذا بقيت فلسفة التعليم قائمة على التلقين، وإذا ظل المعلم يقيس نجاحه بعدد الصفحات التي أنجزها، لا بعدد العقول التي أيقظها.

إن التعليم ليس عملية نقل للمعلومات، بل عملية تحرير للعقل. والطالب ليس وعاء فارغا يملؤه المعلم بالمعرفة، بل عقل قادر على الاكتشاف إذا وجد البيئة المناسبة. ولهذا فإن المدرسة التي تمنع النقاش، وتعاقب السؤال، وتعتبر الاختلاف خطرا، لا تستطيع أن تصنع باحثين أو علماء أو مبتكرين.ولا تنفصل أزمة التعليم عن أزمة الدولة نفسها. فالأنظمة السياسية التي تقوم على المركزية المفرطة والطاعة العمياء تميل غالبا إلى إنتاج تعليم يشبهها؛ تعليم يخشى النقد، ويكافئ الامتثال، ويعيد إنتاج البنية الاجتماعية والسياسية القائمة. فالعقل الناقد لا يهدد فقط المناهج القديمة، بل يهدد أيضا كل سلطة لا تقبل المساءلة. ولهذا يصبح إصلاح التعليم في كثير من الأحيان قضية سياسية بقدر ما هو قضية تربوية.كما أن الثقافة الاجتماعية تتحمل جزءا من المسؤولية. فما زالت بعض الأسر تربي أبناءها على أن الخطأ فشل، وأن السؤال دليل جهل، وأن التفوق يعني الحصول على أعلى الدرجات فقط. بينما الحقيقة أن المجتمعات المتقدمة تشجع أبناءها على التجربة حتى لو أخطأوا، لأن الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلم. أن كثيرا من أعظم رواد الأعمال والمخترعين لم يكونوا الأكثر تفوقا في التعليم التقليدي، لكنهم امتلكوا شيئا لم تستطع المدارس التقليدية أن تمنحه أو تمنعه: الفضول، والإصرار، والاستقلال الفكري، والقدرة على التعلم الذاتي.

وفي عصر المعرفة لم يعد التعلم ينتهي بالحصول على الشهادة. فالمعارف تتغير بسرعة، والوظائف تتبدل، والتقنيات تتطور بصورة تجعل كثيرا من المهارات قديمة خلال سنوات قليلة. ولهذا أصبح التعلم المستمر ضرورة، لا ترفا. فالجامعة لا ينبغي أن تخرج إنسانا يعتقد أنه انتهى من التعلم، بل إنسانا يعرف كيف يتعلم بنفسه طوال حياته.إن العالم اليوم لم يعد يبحث عن حافظي المعلومات، بل عن صناع الأفكار. ولم يعد يطلب موظفين ينتظرون التعليمات، بل أشخاصا قادرين على المبادرة والعمل الجماعي وحل المشكلات والتكيف مع المتغيرات. وهذه المهارات لا يمكن أن تولد داخل بيئة تعليمية تجعل الطالب مجرد متلق سلبي.وفي أفريقيا، تبدو هذه الأزمة أكثر تعقيدا بسبب ضعف البنية التعليمية، وقلة الإنفاق على البحث العلمي، وهجرة الكفاءات، والصراعات السياسية، وتراجع الاستثمار في الإنسان. وفي دول مثل جنوب السودان، حيث ما زالت الدولة في طور بناء مؤسساتها، يصبح إصلاح التعليم شرطا لبناء الدولة نفسها. فلا يمكن بناء اقتصاد منتج، أو إدارة كفؤة، أو مؤسسات مستقرة، إذا كان النظام التعليمي عاجزا عن إعداد الإنسان القادر على قيادة هذا التحول.

إن إصلاح التعليم لا يبدأ من الكتاب المدرسي، بل يبدأ من إعادة تعريف معنى التعليم نفسه. هل هو حفظ للمعلومات، أم تدريب على التفكير؟ هل هو طريق إلى الوظيفة، أم وسيلة لتحرير الإنسان من الجهل والتبعية؟ هل هدفه إنتاج موظفين، أم إنتاج مواطنين قادرين على الإبداع والمساءلة وتحمل المسؤولية؟حين نجيب عن هذه الأسئلة بصدق، سندرك أن المشكلة لم تكن يوما في طول سنوات الدراسة، بل في الطريقة التي نقضي بها تلك السنوات. فكل عام دراسي لا يضيف إلى الإنسان قدرة جديدة على التفكير أو العمل أو الإنتاج هو عام ضائع، مهما امتلأت جدرانه بالشهادات والدرجات.إن الأمم لا تتقدم بعدد جامعاتها، بل بنوعية العقول التي تخرجها. ولا تقاس قوة الدول بعدد الحاصلين على الشهادات، بل بعدد القادرين على تحويل المعرفة إلى ثروة، والأفكار إلى مؤسسات، والبحث العلمي إلى تنمية، والتعليم إلى مشروع حضاري. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الجهل وحده، بل مع كل نظام تعليمي يختزل المعرفة في الحفظ، ويختزل النجاح في الامتحان، ويختزل الإنسان في شهادة معلقة على الجدار، بينما يبقى العقل معطلا عن أداء وظيفته الأساسية: أن يفكر، وأن يبدع، وأن يغير العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى