الأعمدة

ماذا أبلغ السعوديون البرهان؟

#أحمد_عثمان_جبريل..#يكتب:
ليس كل لقاء يُقاس بعدد الصور، ولا كل زيارة تُفهم من بيان مقتضب.. يقولون:” بعض الرسائل تُسلَّم همسًا”.. لكنها تُحدث ضجيجًا في مسار السياسة.
زيارة نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي إلى بورتسودان، بعد تواصل سعودي مباشر مع مبعوث الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية في العاصمة السعودية الرياض، لم تكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل لحظة (إبلاغ لا استماع)
❝ السياسة لا تعاقب من يخطئ، بل من يكرر الخطأ وهو يعلم. ❞
— عبد الرحمن الكواكبي
(1)
ما أُبلِغ به الفريق البرهان – على الأرجح – أن السقف الدولي قد استقر، ولم يعد قابلًا للتمدد. التباينات التي كان يُراهن عليها بعض الفاعلين تلاشت، وحل محلها (تناغم سعودي–أمريكي صريح): السودان لا يحتمل حربًا مفتوحة، ولا قيادة تُدير الزمن بدل أن تُنهي النزيف.
(2)
السعودية، وهي تنقل هذا الموقف، لم تفعل ذلك من موقع الوصي، بل من موقع الشريك الإقليمي القلق.. الرسالة كانت واضحة لا لبس فيها:” لا إعادة إعمار بلا استقرار، ولا استقرار مع دولة تُدار بعقلية الطوارئ، ولا قبول بحرب بلا أفق سياسي أو نهاية مرئية”.
(3)
فكّ الارتباط مع الإسلاميين لم يُطرَح كنصيحة، بل كشرط.. فالرسالة التي حملها الخريجي، في خلفيتها الدولية، تقول إن أي محاولة لإعادة تدوير تحالفات قديمة، أو إدارة الحكم عبر قوى الظل، ستقود السودان حتما إلى عزلة أعمق، لا إلى شرعية منقوصة فحسب.
(4)
أُبلِغ البرهان – على الأغلب – أن بورتسودان ليست عاصمة حل، بل محطة انتظار.. وأن إدارة البلاد من هامش الجغرافيا لا تصنع مركزًا سياسيًا، بل تؤكد مأزقًا، وان المجتمع الدولي يريد مركز قرار، لا مركز نجاة مؤقت.
(5)
الرسالة تضمنت تحذيرًا غير صاخب:” استمرار الحرب لم يعد يُفسَّر كصراع على الدولة، بل كعجز عن إنتاج بديل. ومع كل يوم تأخير، يتآكل رصيد المؤسسة العسكرية، لا في الخارج فقط، بل في الوعي العام الأفليمي والمحلي الذي أنهكته الوعود المؤجلة.
(6)
الوقت ينفد أمام البرهان.. و ان التحويلات الأمنية الملحة لن تنتظر تردد القيادة، ولا يمكن للعقبات الداخلية أن تُعطل ما اعتبره المجتمع الدولي تحركًا ضروريًا.. السياسة ليست صبرًا على التردد، بل خطوات محسوبة قبل أن تُفرض نتائجها من الخارج.
(7)
الخيار لم يُقدَّم كإنذار، بل كمفاضلة قاسية: انتقال منظّم تشارك فيه المؤسسة العسكرية بشروط جديدة، أو انتقال يُفرض من خارج حساباتها التقليدية. التاريخ، كما قالت الرسالة ضمنيًا، لا ينتظر من يظن أن الوقت حليف دائم.
(8)
أخطر ما في الرسالة ليس ما قيل، بل ما لم يُقل.. فالصمت أحيانًا هو إعلان انتهاء الرهان. والسعودية، حين تتكلم بقدر، فهي تعني أن مساحة المناورة قد ضاقت، وأن السياسة لم تعد تقبل اللغة الرمادية.
والسؤال إذن ليس: ماذا أبلغ السعوديون البرهان؟ .. بل: (هل سمع البرهان الرسالة كما أُريد لها أن تُسمع، أم كما أراد هو أن يفهمها؟)..
في السياسة، سوء الفهم لا يُعدّ عذرًا، والتأخر في القراءة قد يكون أثقل ثمنًا من الخطأ نفسه. فبعض الرسائل لا تُعاد، لأنها تُسلَّم حين يكون البديل جاهزًا، لا حين يُستشار المتلقي.
(الرسالة وصلت: ومن يظن أن العالم سيصمت أمام الخراب في وطنه، سيكتشف أن الصمت انتهى .. والأفعال بدأت. إنا لله ياخ.. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى