
من عمق ذاكرة أم درمان، ومن بين أزقتها التي كانت تتعانق فيها المساجد والكنائس، يطل علينا اسم العم جورج مشرقي شنودة، واحداً من الرجال الذين لم تصنعهم المناصب ولا الألقاب، بل صنعتهم المحبة، وحسن المعاملة، وخدمة الناس في صمت ونبل.
وُلد جورج مشرقي في حي المسالمة بأم درمان، لأم سودانية من مدينة الأبيض وأب من صعيد مصر، فنشأ في بيئة عرفت التسامح الديني والاجتماعي، وعاش فيها المسلم والمسيحي متجاورين في مودة وألفة، يتقاسمون الأفراح والأتراح، ولا يعرفون للتعصب طريقاً.
بدأ حياته العملية بائعاً بسيطاً لليمون والبرتقال في سوق العيش بالقرب من سينما برمبل، ثم استأجر دكاناً صغيراً، قبل أن يشتريه بمبلغ ألف جنيه، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمان. وقد استعان في بداية طريقه ببعض أهل السوق، ومن بينهم امرأة كريمة تدعى «شماشة»، استدان منها بعض المال ثم أعاده إليها، في صورة تؤكد الثقة والوفاء اللذين ميّزا حياته.
وفي عام 1950م أسس مقهاه الشهير الذي عُرف أولاً باسم «قهوة سوق الموية»، لأن الماء كان يُقدَّم فيه للناس مجاناً. ثم أصبح المقهى معروفاً باسم صاحبه: قهوة جورج مشرقي.
لم يكن المقهى مجرد مكان لاحتساء الشاي والقهوة، بل كان منتدى ثقافياً وفنياً وسياسياً مفتوحاً، جمع الطلاب والمثقفين والشعراء والفنانين والسياسيين وأبناء السوق. ضاق المكان بأجساد رواده، لكنه اتسع لأحلامهم وأفكارهم وصداقاتهم.
جلس على مقاعده كبار الفنانين، ومنهم إبراهيم الكاشف، وسيد خليفة، وحسن عطية، وعبد الحميد يوسف، وحسن سليمان الهاوي، كما ارتاده الشعراء والكتاب والممثلون والسياسيون، وفي مقدمتهم الزعيم إسماعيل الأزهري.
وذات يوم، وجد الأزهري عدداً كبيراً من الخريجين قد غادروا ناديهم واجتمعوا في مقهى جورج، فضحك وقال مداعباً:
«خليتو النادي وعملتو محل جورج مشرقي نادي؟»
وكانت تلك العبارة شهادة صادقة على المكانة التي بلغها المقهى، حتى غدا نادياً شعبياً ومنبراً وطنياً يتجاوز في تأثيره كثيراً من المؤسسات الرسمية.
وفي داخل المقهى أُجريت البروفات الفنية، ونُسجت العلاقات بين الشعراء والمطربين، ووُلدت قصائد وألحان أصبحت لاحقاً جزءاً من وجدان الشعب السوداني. وكانت لبعض الطاولات أسماء أغنيات شهيرة، مثل طاولة الشاعر سيد عبد العزيز التي عُرفت باسم «قائد الأسطول»، حيث يُقال إنه نظم قصيدته الخالدة في ذلك المكان، قبل أن يتغنى بها الفنان الكبير الحاج محمد أحمد سرور.
وكان جورج مشرقي يتمتع ببصيرة فنية وتجارية مبكرة. فقد لاحظ أن الفنان إبراهيم الكاشف يسهر في الحفلات ويغني مجاناً، بينما تتراكم عليه الديون ويهمل ورشة النجارة التي كانت مصدر رزقه. فنصحه بأن يتقاضى أجراً رمزياً مقابل إحياء الحفلات، وأن ينظم مواعيده وأعماله.
وحين وجد الكاشف صعوبة في مطالبة الناس بالأجر، تطوع جورج للقيام بالمهمة نيابة عنه، فأصبح يرتب حفلاته ويتفق مع أصحاب المناسبات دون أن يتقاضى راتباً أو عمولة. ثم لحق به فنانون آخرون، ليصبح مقهى جورج مكتباً غير رسمي للتعاقدات الفنية، ويصبح جورج مشرقي، بحق، من أوائل مديري أعمال الفنانين في السودان.
ولم تكن خدماته مقتصرة على الفن، فقد كان وسيطاً في حل الخلافات، وساعياً في قضاء حاجات الناس، ومتكفلاً بأسر محتاجة في الخفاء. ولم يعرف أبناؤه حجم عطائه إلا بعد رحيله، حين ظهرت أسر عديدة كانت تعيش من رعايته ومساعداته السرية.
وفي ثورة أكتوبر عام 1964م، شهد المقهى حادثة ظلت محفورة في ذاكرة أم درمان. فقد انهار المبنى القديم، وكان جورج داخله تحت الأنقاض، بينما كانت الشوارع ممتلئة بالمتظاهرين المناهضين لحكم الفريق إبراهيم عبود.
توقف المتظاهرون عن مسيرتهم، واندفعوا لرفع الأنقاض، حتى سمعوا أنين جورج من تحت الركام. أخرجوه حياً، وحملوه على الأعناق، وطافوا به شوارع سوق البوستة وهم يهتفون بحياته، بعدما كانت شائعة وفاته قد انتشرت بين الناس.
لم تكن تلك اللحظة مجرد نجاة رجل من الموت، بل كانت إعلاناً شعبياً عن مكانة جورج في قلوب أهل أم درمان.
أُعيد بناء المقهى بعد ذلك بالخرسانة المسلحة، ثم تحوّل المكان في سنوات لاحقة إلى متجر حديث، لكن ذاكرته بقيت عصية على الزوال. وكان بعض الرواد يدخلون المكان ليستنشقوا هواءه القديم، فتسيل دموعهم شوقاً إلى زمن الفن والمحبة والمجالس العامرة.
وقد خُلِّدت ذكرى المقهى في أبيات شعرية مؤثرة جاء فيها:
يا شمس أم درمان عودي وأشرقي
أين السمار وأين المشرقي؟
وفي صباح الحادي والعشرين من يوليو عام 2007م، رحل العم جورج مشرقي عن الدنيا، بعد حياة طويلة عامرة بالعطاء والمحبة وخدمة الناس. فشيعته أم درمان في موكب مهيب، تقدمه أهل الفن والثقافة والسوق والأحياء، ومعهم أسر كثيرة كانت تعرف فضله الذي ظل يخفيه عن أقرب الناس إليه.
رحل جورج مشرقي، لكن مقهاه بقي في الذاكرة رمزاً لأم درمان القديمة؛ المدينة التي كانت تحتضن الجميع، فلا تسأل الإنسان عن دينه أو أصله، بل عن أخلاقه ومحبته للناس.
التحية لروح العم جورج مشرقي، الرجل الذي بدأ بائعاً لليمون، ثم أصبح صانعاً للفرح، وراعياً للفن، ووسيطاً للخير، وواحداً من أجمل وجوه التسامح السوداني.
لقد كان مقهاه صغيراً في مساحته، عظيماً في أثره، وكان هو أكبر من أن تختصره عبارة «صاحب مقهى».
كان جورج مشرقي مؤسسة إنسانية كاملة، وذاكرة حية لأم درمان، ورجلاً يستحق أن يُكتب اسمه بحروف من وفاء في سجل التاريخ السوداني.



