الأعمدة

فيسبوك” ومهزلة الاشتراطات

عبد الكريم البليخ
هناك بعض المنتديات المستحدثة التي تطلّ علينا برأسها بصورة جديدة، وصارت تفرض نفسها على متصفّحي «فيسبوك»، وقد أضحت تُكثر من الاشتراطات التي تسبق النشر، فيما يظنّ مَن نصّبوا أنفسهم مسؤولين عن هذه المنتديات، أو الصفحات وباتوا يمثّلونها، أن منتداهم هو الأهم والأجدر بالمتابعة، متناسين الاشتراطات العقيمة التي يفرضونها على الأعضاء المنضمّين إليه.
ويبدو، كما يظن واضعو هذه الشروط، أن هذه الاشتراطات ستقف حاجزاً، مثل الشرطي، بينهم وبين الأعضاء الذين يشاركون بمنشوراتهم، فضلاً عن أنهم يقفون مدافعين عن المنتدى بحرص شديد، وكأنه يتبع لجهة حكومية، أو يمثّل مسؤولاً كبيراً، أو أن المنتدى بات يُعدّ من كبريات الصحف والدوريات في العالم، فيضعون شروطاً تعجيزية، وحقوق نشر غريبة، لكل من يجد في نفسه القدرة على النشر، صحافياً كان أم طبيباً، مهندساً كان أم معلماً، عاملاً كان أم فناناً، متناسين أن اشتراطاتهم ليست سوى كلمات عابرة تظل، في كثير من الأحيان، بلا معنى أو هدف حقيقي.
الغريب أكثر أن ذاك العضو الفعّال يُنصّب نفسه المسؤول الأول في المنتدى، مع أناس متطفّلين على مهنة الصحافة والإعلام، التي صارت، للأسف، مباحة لكل من هبّ ودبّ، يتجاوزون أعرافها المهنية، ولا يدركون أصولها ولا الغاية التي ترمي إليها!
ولندرك جميعاً أن هناك صفحات ومواقع ومنتديات ومجموعات كثيرة، وأنتم لستم الأولين، ولن تكونوا الأخيرين. ففضاء «فيسبوك» واسع، ولا يحتمل كل هذا التضخيم، ولا يحتاج إلى حرّاس جدد يرفعون العصا في وجه كل من يريد أن يكتب أو يُعبّر عن رأيه.
بالله عليكم، كفانا هذياناً ونفخاً في قربة مقطوعة. اتركوا الناس تنشر ما تشاء، بعيداً عن عُقدكم وتعليماتكم وتفاهاتكم التي لا معنى لها!
المشاركون في المنتديات، وفي غيرها من الصفحات التي يزخر بها «فيسبوك»، هم أدرى بما يفعلونه، ويتحمّلون مسؤولية ما ينشرونه، ما دام أنه مذيّلاً بأسمائهم، وليسوا بحاجة إلى توجيهاتكم واشتراطاتكم المذلّة والمفزعة التي لا تمثّل إلا أصحابها!
ومن حق كل كاتب أن يتحمّل مسؤولية كلمته، ومن حق القارئ أيضاً أن يقبل ما يقرأ أو يرفضه، وأن يناقشه أو يتجاوزه. أما تحويل المنتدى إلى مساحة مغلقة محكومة بسلسلة طويلة من التعليمات والقيود، فهو أمر لا يخدم حرية التعبير، ولا يشجّع الإبداع، بل قد يدفع كثيراً من أصحاب المواهب إلى الابتعاد والصمت.
عليكم أن تصحوا وتفسحوا المجال للنشر من دون قيود، ومن دون تكسير الأقلام الراغبة في إظهار قدراتها في فنون الكتابة. فهذا ميدانهم، وأظن أنه حق من حقوقهم. فلتشرّعوا لهم الأبواب من باب الإبداع والمنافسة الشريفة، ولتكن الكلمة الجيدة هي الحكم، والقارئ هو الفيصل.
وهذا، في النهاية، ما يجعل المنتدى أكثر نجاحاً وإقبالاً من قبل العامة، ويمنحه قيمته الحقيقية، لا كثرة الاشتراطات، ولا تضخيم الأدوار، ولا الادعاء بأن صفحة على «فيسبوك» باتت مؤسسة إعلامية كبرى تحتاج إلى كل هذه الحواجز والقيود.

زر الذهاب إلى الأعلى