جملة عابرة قد تبدو مزحة، لكنها تترك في القلب ما لا تتركه الكلمات الجادة. حين اعتذرت عن تقديم مساعدة جديدة
عثمان فضل الله
جملة عابرة قد تبدو مزحة، لكنها تترك في القلب ما لا تتركه الكلمات الجادة. حين اعتذرت عن تقديم مساعدة جديدة لأحد الأصدقاء لأن يدي كانت خالية، جاءني الرد: “قاعدين برة متنعمين ومستمتعين وتابو لينا بالقليلة”، وألحقها بوجوه ضاحكة، كأن الضحكات تستطيع أن تمحو أثر الوخز.
تأملت العبارة طويلًا، لا لأنها أغضبتني، بل لأنها اختزلت حكاية المنفى كلها في صورة زائفة. يظن كثيرون أن من يعيش خارج الوطن قد نجا، وأن اط اللجوء باب واسع للرخاء، بينما الحقيقة أن كثيرين منا لا يقيمون في المنافي حبًا فيها، ولا يطيلون البقاء خوفًا من العودة، وإنما لأن الحسابات القاسية لا ترحم. فما نستطيع أن نوفر به الحد الأدنى من الحياة خارج السودان، قد لا يكفينا لأيام معدودة داخله.
لم نعد إلى الوطن لأننا كرهنا البلاد، وكيف يُكره وطن يسكن تفاصيل الروح؟ ولم نتشبث ببلاد الغير لأنها أجمل، ولا لأننا نخشى عسف السلطة في الداخل فقد خبرناه في زمان غير هذا.. في المنفى لايوجد ما يُحب سوى الأمل المؤجل بالعودة. لكن الحرب جعلت الحياة نفسها سلعة باهظة الثمن، حتى صار البقاء في الوطن حلمًا يعجز عنه كثير من أبنائه، وأنا واحد منهم.
أقسى ما في المنفى أن الناس يرون ما يبدو على السطح؛ صورة، أو ابتسامة، أو خبرًا عابرًا، ولا يرون الفواتير الثقيلة التي ندفعها كل يوم: غياب الأهل، ووحشة المدن، وإحساسًا دائمًا بأن العمر يمضي بعيدًا عن المكان الذي خُلقنا لنشيخ فيه.
لسنا متنعمين كما يظن البعض، بل نعيش معادلة قاسية؛ نؤجل العودة لأننا لا نملك كلفتها، ونبقى غرباء لأن الوطن لم يعد قادرًا على احتضان أبنائه. وهكذا أصبح السودان، الذي كان يومًا بيتًا مفتوحًا للجميع، أمنيةً مؤجلة، وصارت الحياة فيه، للمفارقة المؤلمة، أغلى من أن يحتملها كثير ممن يحبونه.



