الأعمدة

أيُّ مفارقةٍ هذه؟! حين يُقتل في السودان من ينتسبون إلى الإسلام… الآمرين بالقسط

محمد الفاتح حضرة
📖 قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
🧐 أيُّ مفارقةٍ هذه؟!
أن ينتسب قومٌ إلى الإسلام… ثم يجعلوا خصومتهم مع الذين يدعون إلى أعظم مقصدٍ جاء به الإسلام… القسط.
🫵 أيُّ مفارقةٍ هذه؟!
أن ترفع جماعةٌ راية الشريعة… ثم تضيق بكل من ينادي بالعدل… وبالسلام… وبالحرية… وبسيادة القانون… وبكرامة الإنسان.
🫵 أيُّ مفارقةٍ هذه؟!
أن يصبح الداعي إلى وقف الحرب متهماً… والمطالب بالعدالة خائناً… والمنادي بالحكم المدني عميلاً… والمتطوع الذي يحمل الخبز والدواء والماء للمحاصرين مشبوهاً… بينما تُقدَّم لغة الحرب والكراهية على أنها دفاعٌ عن الدين‼️
إنها ليست مفارقةً سياسية… بل مفارقةٌ دينية وأخلاقية وإنسانية تهز الضمير.
لقد اختصر القرآن هذه المأساة كلها في كلمات قليلة، لكنها باقية إلى قيام الساعة:
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾.
🧐🫵تأملوا…
لم يقل الله تعالى:
﴿ويقتلون النبيين﴾ ثم انتهى الكلام…
بل أضاف إليها:
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾.
لأن معركة الظالمين ليست مع الأنبياء وحدهم… بل مع كل صاحب ضمير… ومع كل من يقول للظالم: اتق الله. ومع كل من يطالب بالعدل… ومع كل من يدافع عن حق الإنسان في الحياة والحرية والكرامة.
🧐 وما معنى القسط؟
القسط ليس مجرد حكم يصدره قاضٍ بين خصمين.
القسط هو روح الشريعة كلها.
هو العدل… هو الإنصاف… هو صيانة الدماء… هو حفظ الحقوق… هو حماية الضعفاء… هو ألا يُدان إنسان إلا ببينة… وألا يُقتل إنسان إلا بحق… وألا يتحول الخلاف السياسي إلى مبرر لاستباحة الدماء.
ولذلك جعل الله إقامة القسط الغاية الكبرى من بعثة جميع الرسل، فقال:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
فالرسالات لم تُبعث لتقيم سلطان جماعة… ولا لتمكن حزباً… ولا لتقدس قائداً…
وإنما بُعثت ليقوم الناس بالقسط.
🫵 كيف يبدأ قتل الآمرين بالقسط؟
يعلمنا التاريخ أن الآمرين بالقسط لا يُقتلون أولاً بالسلاح…
بل يُقتلون بالكلمات.
تبدأ الحكاية بالتشويه… ثم بالتخوين… ثم بالتكفير… ثم بنزع الوطنية… ثم بتجريد الإنسان من إنسانيته…
حتى إذا نجحت آلة التحريض… أصبح قتله عند بعض الأتباع بطولة…
بل قد يظنه بعضهم قربةً يتقرب بها إلى الله‼️
وهنا تبلغ الفتنة ذروتها…
حين يظن الإنسان أنه ينصر الإسلام… بينما هو يحارب أعظم مقصدٍ جاء به الإسلام.
🧐 وهل رأينا هذا يحدث في السودان؟
للأسف…
حين خرج عشرات آلاف الشباب يطالبون بوقف الحرب… وبالحرية… وبالسلام… وبالعدالة… وباستعادة الحكم المدني… وببناء دولة القانون…
لم يحمل هؤلاء الشباب السلاح…
بل حملوا الخبز… والدواء… والماء…
وأقاموا المطابخ الجماعية… وأسعفوا الجرحى… وأجلوا المرضى… ودفنوا الموتى…
وكانوا -بعد الله- سنداً لملايين المدنيين عندما انهارت مؤسسات الدولة.
لكن ماذا كان جزاؤهم؟
بدلاً من تكريمهم…
شُوِّهت سمعتهم… واتُّهموا بالخيانة… ووُصفوا بالعمالة… بل تجاوز بعض المنتسبين إلى الإسلام ذلك كله، فوصفوهم بأنهم أعداء للدين…
فقط لأنهم طالبوا بوقف الحرب… ورفضوا الانقلاب… ونادوا بالحرية والسلام والعدالة.
ثم تحولت حملات التحريض -في بعض الحالات- إلى اتهامات ومحاكمات، كما أُثيرت اتهامات بوقوع عمليات قتل أو تصفية خارج نطاق القانون بحق بعض النشطاء والمتطوعين في مناطق مختلفة، منها حلفاية الملوك وجبل الأولياء وأجزاء من ولاية الجزيرة.
وسواء ثبتت المسؤولية الجنائية في أي واقعة أو لم تثبت، فإن الأصل الذي لا يجوز التفريط فيه هو أن المسؤولية الجنائية لا تقوم إلا على أدلة قانونية وقضاءٍ عادل، لا على الشائعات، ولا على التحريض، ولا على الانتماءات، ولا على المواقف السياسية.
🧐 الكارثة الحقيقية
الكارثة ليست أن يختلف الناس في السياسة…
فهذا تعرفه كل الأمم.
ولكن الكارثة…
أن يتحول الاختلاف السياسي إلى تكفير… ثم إلى تخوين… ثم إلى تحريض… ثم إلى استباحة الدم والمال والعرض.
والكارثة الأكبر…
أن يحدث ذلك كله…
باسم الإسلام‼️
بالله عليكم…
أي ظلمٍ للدين أعظم من هذا؟
وأي إساءةٍ للإسلام أكبر من أن يُقدَّم للناس ديناً يعادي الحرية… ويخاصم العدالة… ويطارد دعاة السلام…
بينما الإسلام إنما جاء ليقيم القسط بين الناس؟
لقد كان الأولى بالحركة الإسلامية، والتيار الإسلامي العريض، وسائر جماعات الإسلام السياسي في السودان، أن يكونوا أول المدافعين عن العدل… وأول الحريصين على حرمة الدماء… وأول الواقفين مع المظلوم… بغض النظر عن انتمائه السياسي.
لكن…
حين يصبح الولاء للجماعة مقدماً على الولاء للحق… وتصبح السلطة أغلى من الإنسان… ويصبح الانتصار للحزب أهم من الانتصار للعدل…
فقد ضاع ميزان القسط…
ولو رُفعت مائة ألف راية كُتب عليها اسم الإسلام.
🪾 ويبقى السؤال…
سيظل القرآن يتلو علينا هذه الآية، وكأنها نزلت اليوم:
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾.
ليس السؤال:
من رفع راية الإسلام؟
ولا من أكثر من الشعارات؟
ولا من علا صوته باسم الدين؟
🫵وإنما السؤال:
من كان مع القسط؟
لأن الله لم يجعل ميزان الناس كثرة الشعارات… ولا المظاهر… ولا الخطب…
بل جعل الميزان: العدل… والقسط… وحرمة الدماء.
ولهذا كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من أعظم الشواهد في تاريخ المسلمين.
لقد كان قادراً على أن يأذن لمن معه بالقتال دفاعاً عنه، وكان بين أصحابه من يستطيع ذلك، لكنه أبى أن تكون مدينة رسول الله ﷺ ساحةً يقتتل فيها المسلمون، ونهى من معه عن القتال، وآثر أن يُقتل مظلوماً على أن يكون سبباً في سفك دماء المسلمين واتساع الفتنة.
يا لها من عظمة… ويا له من فقه…
لقد أدرك عثمان رضي الله عنه أن الدم إذا سُفك بغير حق، فإن الفتنة لا تقف عند حدودها، وأن أول ما يُهزم في زمن التحريض هو القسط.
فأين هذا الفقه ممن يجعلون المنابر وقوداً للحروب؟
وأين هذا الورع ممن يظنون أن التحريض على الدماء لونٌ من ألوان نصرة الدين؟
إن الإسلام لا ينتصر بالظلم… ولا ينتصر بالكراهية… ولا ينتصر بسفك الدماء…
وإنما ينتصر بالقسط.

زر الذهاب إلى الأعلى