الأعمدة

تقرير حول الملف الأسود لفساد السلطة القضائية – تقرير رقم (7)

اعداد رحاب مبارك سيد احمد
في حلقة جديدة من سلسلة تقارير الفساد داخل السلطة القضائية، يكشف التقرير رقم (7) عن أوضاع معيشية وصفت بالمأساوية للقضاة السودانيين، في مقابل ثراء فاحش ومشبوه لقيادات الإدارة العليا، وعلى رأسها رئيس القضاء عبد العزيز فتح الرحمن، وسط اتهامات بالتحكم في مصائر القضاة واستغلال أموال مخصصاتهم لخدمة أجندة حزبية وعسكرية.
يشير التقرير إلى أن راتب القاضي في أعلى درجاته لم يعد يكفي لتأمين وجبة طعام واحدة، في ظل تآكل الدخل نتيجة السياسات المالية التي تنتهجها “إدارة الخدمات”، التي يصفها المراقبون بأنها “غول” يلتهم مستحقات القضاة لصالح المقربين من الحركة الإسلامية وحملة السلاح. وتكشف المفارقة الصارخة أن “حاجب المحكمة” المكلف بإعلان الأوراق القضائية أصبح دخله يفوق دخول القضاة، حيث يُقدر دخله الشهري بنحو 2.2 مليون جنيه وفقاً لمعطيات سابقة، في حين لا يصل راتب قاضي المحكمة العليا إلى هذا الرقم حتى مع البدلات التي كثيراً ما تُقتطع أو توقف من قبل الإدارة.
وفي مشهد يعكس حجم التهميش، يذهب القاضي السوداني إلى عمله ماشياً، ومن يملك عربة خاصة يحصل على بدل وقود لا يتجاوز 100 جنيه أي ما يعادل 3 جالونات لا تكفي إلا لأربع أيام عمل في الشهر، بينما يحصل قاضي المحكمة العليا على 250 جنيهاً تعادل 7 جالونات شهرياً. وفي المقابل، يتمتع قضاة “الإدارات” الذين يوصفون بأنهم مرضيون عنهم ببطاقات وقود مفتوحة وسيارات فارهة آخر موديل تم شراؤها من استثمارات إدارة الخدمات، إضافة إلى احتكارهم للدورات التدريبية الخارجية بالدولارات في حلقة مقفلة لا تسمح بدخول غيرهم.
وفي تطور لافت، كشف التقرير عن توجيه وزارة الداخلية خطاباً للسلطة القضائية بزيادة رواتب النظاميين من الشرطة القضائية أسوة ببقية المؤسسات، واستجاب رئيس القضاة ووافق على زيادة مرتباتهم من أموال “إدارة الخدمات” المخصصة أصلاً للقضاة. وبناءً على هذه الزيادة، أصبح راتب الرقيب مساوياً لراتب قاضي استئناف، وراتب العريف مساوياً لراتب قاضي محكمة عامة، في مشهد جسد مقولة “لا صوت يعلو فوق صوت البندقية”. وعندما حاول القضاة الاعتراض على هذه الأوضاع والتفكير في إضراب عن العمل، قوبلت محاولاتهم بتهديدات مباشرة من رأس السلطة مفادها أن أي تحرك عمالي سيواجه بعقوبات صارمة، ما أدى إلى إجهاض أي حراك احتجاجي داخل المؤسسة القضائية.
في تناقض صارخ مع معاناة القضاة، يتهم التقرير رئيس القضاء عبد العزيز فتح الرحمن بإدارة أكبر منظومة فساد داخل دهاليز السلطة القضائية، مؤكداً أن فساده فاق فساد سلفه جلال الدين محمد عثمان، وأنه تحول مع زمرته إلى دولة موازية لها ماليتها الخاصة. وأورد التقرير تفاصيل حول ممتلكات رئيس القضاء التي تشمل مزرعتين إحداهما في مشروع الأمن الغذائي بعطبرة والثانية في شركة زادنا، وشقتين في القاهرة بمصر الجديدة، وأكثر من سبع عربات صرف صحي تعمل في مدينة عطبرة يديرها أقاربه، إضافة إلى استحواذه مع قضاة الإدارات على 15 قطعة أرض بحي المطار في عطبرة. كما اتهم التقرير القاضي مالك بكري رئيس إدارة الخدمات بكونه غول الفساد داخل السلطة، مستغلاً أموال خدمات القضاة لتمويل استثماراته وشركاته الخاصة.
وتتساءل المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب مبارك سيد أحمد في تقريرها عن كيفية إقامة العدل في ظل سلطة قضائية قمة هرمها فاسدة، متهمة القيادة القضائية بإصدار أحكام بالإعدام والسجن المؤبد بحق المتهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع، في وقت ماتت قلوبهم بأكل مال السحت وأصبحوا يبحثون عن مصالحهم ومصالح حركتهم الإسلامية ولو أدى ذلك إلى إعدام الشعب السوداني. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

زر الذهاب إلى الأعلى