الأعمدة

“فلول المؤتمر الوطني يعيدون تدوير البرهان بثوب “الرئاسة”


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
“حين تتحول الدعوة إلى شرعنة مقنّعة”
ثمة فرق جوهري بين النقد المؤسسي البريء ومحاولة إلباس الاستيلاء على السلطة ثوب “الإصلاح” وما كتبه الهندي عز الدين ينتمي، للأسف، إلى الصنف الثاني، فحين يدعو إلى حل مجلس السيادة وتتويج الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للجمهورية، فهو لا يطرح حلاً لأزمة إدارية، بل يقدّم غطاءً إعلامياً لاستكمال مشروع بدأ فعلياً منذ اللحظة التي انقلب فيها البرهان على شراكته مع المدنيين في أكتوبر 2021.
البرهان لا يملك شرعية يستند إليها
لنقلها بوضوح: عبد الفتاح البرهان لم يصعد إلى موقعه عبر صندوق اقتراع، ولم يمنحه الشعب السوداني تفويضاً لحكم البلاد يوماً واحداً. حيث وصل إلى رئاسة مجلس السيادة بحكم موقعه العسكري ضمن ترتيب انتقالي مؤقت فرضته موازين القوة عقب ثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطت نظام البشير، على أن يكون هذا الترتيب جسراً نحو حكم مدني ديمقراطي، لا محطة نهائية. فلما اقترب موعد تسليم رئاسة المجلس لشخصية مدنية، كما نصّت الوثيقة الدستورية، لم يتردد البرهان في الانقلاب على تلك الوثيقة ذاتها، مستعيناً ببقايا نظام الإنقاذ ومكوّناته الأمنية والإسلامية التي وجدت فيه أداتها المثلى للعودة من الباب الخلفي بعد أن طردها الشعب من الباب الأمامي.
وكل خطوة تالية بُنيت على انقلاب غير شرعي هي بالضرورة استمرار لانعدام الشرعية، لا تصحيح له. فدعوة الهندي اليوم إلى حل مجلس السيادة وتنصيب البرهان رئيساً للجمهورية ليست إلا محاولة لتتويج الانقلاب بمسمى دستوري رنّان، يمنحه شكل الدولة دون أن يمنحه جوهر الشرعية الشعبية التي يفتقدها أصلاً.
“فلول المؤتمر الوطني: من الانقلاب إلى الحرب إلى محاولة العودة”
الحقيقة التي يتجنب الهندي مواجهتها أن ما يجري ليس مبادرة إصلاحية عفوية، بل حلقة في مسار ممتد ومتعمد. فبقايا المؤتمر الوطني المحلول، الذين أسقطهم الشعب السوداني بثورته بعد عقود من الحكم الشمولي والفساد والقهر، لم يقبلوا يوماً بهذا السقوط، وظلّوا يتحينون فرصة العودة. فوجدوا في البرهان الأداة العسكرية المناسبة، فدفعوه إلى الانقضاض على الشراكة المدنية، ثم عملوا على تفجير الخلاف بينه وبين حليفه السابق قائد قوات الدعم السريع حتى اشتعلت الحرب العبثية في أبريل 2023.
لم تكن هذه الحرب قدراً محتوماً ولا صراعاً عفوياً بين طرفين متكافئين في المظلومية، بل كانت، من منظور من أشعلها، وسيلة لتحقيق هدف مزدوج: سحق زخم الثورة المدنية وإغراق البلاد في الدم والدمار والتهجير حتى يذوب مطلب “الحرية والسلام والعدالة” تحت وطأة الحرب، وتثبيت أقدام فلول النظام البائد من جديد في دواليب الحكم عبر واجهة عسكرية يمثّلها البرهان.
“الخديعة الكبرى: من صنع الجنجويد ثم ادّعى حماية الشعب منهم؟”
هنا تكمن أخطر مغالطة يقوم عليها هذا المشروع بأكمله، وهي المغالطة التي يتجاهلها الهندي كلياً: قوات الدعم السريع، بامتداداتها إلى ميليشيات الجنجويد، لم تُخلق من فراغ ولم تنشأ بمعزل عن السلطة. هذه القوة أنشأها وسلّحها ورعاها نظام المؤتمر الوطني نفسه، واستخدمها أداة قمع في دارفور وغيرها، ثم أدمجها البرهان وحلفاؤه لاحقاً في شراكة السلطة بعد الثورة لأنها خدمت غرضهم في مواجهة المدنيين. فحين انقلب أحد شريكي الانقلاب على الآخر، وتحوّل التنافس على تقاسم السلطة والنفوذ إلى حرب مفتوحة، خرج خطاب مموَّه يصوّر الجيش وكتائب الإسلاميين بوصفهم “حماة الشعب” من بطش قوة غاشمة، متجاهلاً أن الطرفين المتحاربين كانا حتى الأمس القريب شريكين في الانقلاب على الحكم المدني، وأن من صنع هذه القوة وغذّاها ومكّنها لعقود هو تحديداً المكوّن نفسه الذي يطلب اليوم من السودانيين الثقة به بوصفه منقذهم منها.
وهذه هي الخديعة التي يقوم عليها الخطاب المرافق لدعوة الهندي: إيهام البسطاء بأن من أشعل الحريق هو من يطفئه، وأن من صنع الوحش هو وحده القادر على حماية الناس منه. والحقيقة أن الشعب السوداني هو الضحية الوحيدة في هذه المعادلة، بينما طرفا الحرب كلاهما امتداد لمنظومة واحدة تصارعت على غنيمة السلطة بعد أن اتفقت أصلاً على سرقة الثورة من أصحابها.
“ترشيح التجاني السيسي: قناع مدني لواجهة إسلامية”
ولأن المشروع يحتاج غطاءً “مدنياً” يخفف من وطأة الحكم العسكري الصريح، يرشّح الهندي الدكتور التجاني السيسي لمنصب نائب الرئيس. غير أن هذا الترشيح بالذات يفضح المشروع أكثر مما يجمّله، فالتجاني السيسي شخصية مرتبطة تاريخياً بدوائر الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، أي أنه ليس تمثيلاً حقيقياً للقوى المدنية الديمقراطية التي قادت ثورة ديسمبر وضحّت بدمائها من أجل التغيير، بل هو استعادة للوجوه ذاتها التي أسقطها الشعب فـ”المدنية” المطروحة هنا ليست سوى قناع لإعادة تمكين الإسلاميين من موقع نائب الرئيس، بينما يبقى جوهر السلطة الفعلي عسكرياً أمنياً خالصاً بيد البرهان.
” لا شرعية تُبنى على انقلاب وحرب وخديعة”
ما يدعو إليه الهندي ليس إصلاحاً مؤسسياً، بل استكمال لمخطط متكامل: انقلاب على الشراكة المدنية، فإشعال حرب عبثية لسحق الثورة وإنهاك الشعب، فترويج لروايات مضللة عن “حماية” من قوة صنعوها بأنفسهم، وأخيراً سعي لتتويج قائد الانقلاب رئيساً للجمهورية بواجهة مدنية إسلامية موالية. ولا يمكن لأي منصب، مهما بلغت رفعة مسمّاه، أن يمنح شرعية لسلطة تأسست على انقلاب وتغذّت على حرب ودمار وتضليل. إن الحل الحقيقي لأزمة السودان يبدأ بوقف هذه الحرب ومحاسبة من أشعلها من الطرفين، وينتهي بحكم مدني ديمقراطي منتخب تفرزه إرادة الشعب السوداني وحده، لا بإعادة تدوير من أسقطتهم ثورته.

زر الذهاب إلى الأعلى