الأعمدة

الطغيان في السودان… حين تتحول الحرب إلى صناعة جماعية للمأساة

✍️ محمد الفاتح حضرة
ليست مأساة السودان اليوم مجرد صراع بين البرهان وحميدتي..
ولا مجرد مواجهة بين جيش ودعم سريع
ولا حتى حربًا بين معسكرين عسكريين متقابلين
بل هي في جوهرها نتيجة مسار طويل
تداخلت فيه السلطة بالسلاح
والسياسة بالمال
والقبيلة بالإعلام
والصمت بالخوف
والتواطؤ بالمصلحة
🧐🫵..
وهكذا لم يعد الطغيان “شخصًا واحداً ”
بل صار “بيئة كاملة” تُنتج الحرب وتعيد إنتاجها
📜 القرآن يكشف أصل المعادلة… ليست فردًا بل مجتمعًا قابلًا للاستخفاف
قال تعالى:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾
سورة الزخرف 54
هذه ليست قصة فرعون وحده
🫵بل هو قانون يتكرر:-
كلما وُجد حاكم مستبد ،
وُجد في المقابل قومٌ قابلون للاستخفاف
فيطيعون
ويبررون
ويشجعون
أو : يصمتون ‼️
في السودان… لم يكن الطغيان يومًا بلا جمهور
بل كان دائمًا محاطًا بجماهير سياسية وإعلامية واجتماعية
تُعيد تشكيله كل مرة بأسماء جديدة
📜 عند الله… لا يُسأل حامل السلاح وحده
قال الله تعالى:-
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾
سورة الصافات 24
السؤال هنا لا يتوقف عند من أطلق الرصاصة
بل يمتد إلى:
من خطط
من موّل
من برر
من صمت
من زيّن القتل باسم الوطنية
ومن باع الحقيقة مقابل موقع أو نفوذ
في ميزان العدالة الإلهية
لا توجد “مناطق رمادية” تُسقط المسؤولية
إن مشهد السودان اليوم… تكرار لقانون قديم
ما يحدث ليس استثناءً تاريخيًا
بل تطبيقًا مباشرًا لسنن الطغيان
سلطة تتنازعها مراكز قوة مسلحة
نخب تتقلب بين المعسكرات
إعلام يشتغل بالتعبئة لا بالحقيقة
ومجتمع يُدفع دفعًا إلى الاستقطاب الأعمى
وهكذا تتحول الحرب من صراع سياسي
إلى آلة مفتوحة لإنتاج الخراب
لا رابح فيها إلا الموت
🎭حين يصبح “الحياد المصطنع ” شكلًا من أشكال الانحياز للظلم ومناصرة الطغاة..
في مثل هذه اللحظات
لا يعود الصمت موقفًا محايدًا
بل يصبح جزءًا من هندسة الواقع
لأن الحرب لا تُغذّى بالسلاح فقط
بل تُغذّى أيضًا بـ:
التهليل والتكبير
بالتبرير
بالصمت المريب
وبإعادة إنتاج الروايات المضللة
وتطبيع فكرة أن :
“الطرف الآخر هو الجاني الوحيد”
هكذا يضيع المعنى الحقيقي للمسؤولية
ويتحول الوطن إلى ساحة ظلم مفتوح بلا نهاية

🫵من أخطر ما يكشف انحراف الوعي في لحظات الحروب والفتن
أن يظهر من لا يكتفي بالصمت عن الجريمة
بل يفرح بها إذا نُسبت إلى “طرفه”
تراهم يلتفون حول صُنّاع الدمار كما يلتف الناس حول نصرٍ مزعوم
يصفقون للخراب إذا جاء على يد “حليفهم”
ويبررون القتل إذا طال “خصمهم”
ويحتفلون بالدمار وكأنه إنجاز سياسي أو عسكري
وهنا تتحول المأساة من فعل قادة وسلاح
إلى سقوط أخلاقي أوسع
حين يصبح القتل مادة للفرح
والدمار سببًا للاحتفاء
والخراب إنجازًا يُنسب لهذا المعسكر أو ذاك.
هكذا هو حال الذين يلتفون فرحاً حول صُنّاع الخراب ويشجعونهم
قال الله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
إن أخطر ما في هذا المشهد الفرعوني
ليس فقط المشاركة في الظلم
بل الاعتقاد بأن دعم الظالم “حكمة”
وأن الفرح بالدمار “انتصار”
وأن تدمير الوطن يمكن أن يُبرَّر بإسم الدين والكرامة ‼️
وهكذا..
كل يوم يُعاد إنتاج المأساة نفسياً وأخلاقياً
حتى يصبح الخاسر الحقيقي هو الوعي نفسه قبل الأرض والناس
الحقيقة القاسية… لا أحد خارج الدائرة
السودان اليوم لا يدفع ثمن حرب بين جيشين فقط
بل يدفع ثمن:
تراكم الاستبداد
وتراكم التحالفات المصلحية
وتراكم الصمت الطويل
وتراكم الخطابات التي قسمت الناس بدل أن توحدهم
🫵كل من شارك في صناعة هذا المناخ
بدرجات مختلفة
هو جزء من الصورة الكبرى
ولو لم يحمل سلاحاً
✨ خاتمة
القرآن حين يتحدث عن الطغيان
لا يكتفي بذكر الطاغية
بل يفضح البنية التي أنتجته
ويكشف أن الانهيار لا يحدث فجأة
بل يُصنع خطوة خطوة
وما يجري في السودان اليوم
ليس إلا نتيجة مسار طويل من: تطبيع القوة بدل الدولة
وتقديم الولاء بدل الحق
وتغليب السلاح على القانون
وفي النهاية
لن يُحاسب فقط الفاعل المُتسبب..
بل كل من شارك في صناعة هذا الخراب
ولو بكلمة…
او رفعة أصبع 👆
أو إكتفى بالصمت ‼️
#السودان #الحرب #الطغيان #الوعي #العدالة #سنن_الله

زر الذهاب إلى الأعلى