
في تصريح لاذع صدر يوم 22 يوليو 2026، أوصد مكتب الشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الأمريكية الباب أمام آخر محاولة لجأت إليها سلطة بورتسودان للتهرب من استحقاق التحقيق الدولي في استخدامها للأسلحة الكيميائية: لجنة تحقيق داخلية أعلنتها الخرطوم كبديل عن التفتيش المستقل الذي تطالب به منظمة حظر الأسلحة الكيميائية منذ أسابيع.
جاء الرد الأمريكي مباشراً وحاداً، رداً على بيان صحفي أصدرته الخارجية السودانية قبل يومين نفت فيه الاتهامات مجدداً. قالت واشنطن بوضوح لا لبس فيه: “للأسف، رفض السودان الاعتراف باستخدامه الأسلحة الكيميائية. رفض اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة الوضع. رفض العودة للامتثال للاتفاقية. واللجنة الداخلية السودانية ليست بديلاً عن التحقق المستقل لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية.”
واللافت في هذا التصريح أن مطلب واشنطن الجوهري ليس فتح تحقيق جديد، بل الاعتراف بنتيجة تحقيق سبق أن أُنجز. فالولايات المتحدة لا تطلب من السودان “التحقق من الوقائع” بل تطلب منه “الاعتراف” بها — وهو فارق دقيق لكنه حاسم. فواشنطن تُصرّ على أنها امتلكت أصلاً “تحليلاً تقنياً مستقلاً ودقيقاً” أنجزته جهات مختصة، وحدّدت بموجبه نوع المادة الكيميائية المستخدمة (الكلور) وتوقيت استخدامها (2024) ومكانه. بعبارة أخرى: الملف مغلق تحقيقاً من وجهة النظر الأمريكية، وما تبقى هو خطوة سياسية-أخلاقية واحدة يرفض السودان اتخاذها: الإقرار بالمسؤولية والشروع في معالجتها، لا مواصلة إنتاج تحقيقات موازية تُعيد فتح ملف تعتبره واشنطن محسوماً أصلاً.
هذه الجملة الأخيرة تحديداً تكشف جوهر المعركة الدائرة. فبورتسودان، بدلاً من فتح أبوابها للمفتشين الدوليين كما طالبت واشنطن صراحة في اجتماعات لاهاي مطلع الشهر، اختارت الرد بغطاء إجرائي شكلي — لجنة تحقيق من صنعها هي، تُقرر هي نتائجها وتُصدر هي أحكامها. وهو بالضبط النمط الذي درجت عليه سلطة الأمر الواقع في التعامل مع كل استحقاق دولي طوال أشهر الضغط المتصاعد: استجابة شكلية توحي بالتعاون، دون أي شفافية حقيقية تُخاطر بكشف الحقيقة.
لكن واشنطن، هذه المرة، لم تترك هذه الثغرة مفتوحة. الرد جاء فورياً ومباشراً من الجهة المتخصصة المسؤولة عن الملف الأفريقي في الوزارة، لا من تصريح عام عابر، مؤكداً أن أي “تحقيق ذاتي” — مهما بدا رسمياً في شكله — لن يُقبل بديلاً عن التحقق المستقل الذي يُحدد وحده مصداقية أي نفي سوداني.
هذا التصعيد يأتي بعد يومين فقط من دخول حزمة عقوبات أمريكية جديدة حيز التنفيذ في 20 يوليو، شملت قيوداً على التمويل والصادرات وحظراً على استخدام المجال الجوي الأمريكي لشركات الطيران السودانية — عقوبات فُرضت أصلاً بعد أن أعلنت واشنطن في لاهاي، خلال الدورة 112 لمجلس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، أن “تحليلاً تقنياً مستقلاً ودقيقاً” خلص إلى استخدام الجيش السوداني الكلور سلاحاً في 2024، وأن السودان لا يزال حتى اليوم في حالة عدم امتثال لالتزاماته.
والمفارقة أن الخرطوم لم تكتفِ بالنفي، بل حوّلت الاتهام إلى هجوم مضاد، متهمة واشنطن بالتواطؤ مع قوات الدعم السريع عبر دعم الإمارات — في محاولة لتصوير نفسها ضحية مؤامرة دولية لا طرفاً يرفض الاعتراف بجريمة موثقة أصلاً بتحقيق مكتمل.
لكن رفض لجنة التحقيق الداخلية اليوم يُرسل رسالة لا لبس فيها: زمن التحقيقات الذاتية التي تحكم على نفسها بنفسها انتهى. المجتمع الدولي، بعد سلسلة تصعيد استمرت منذ يناير 2025 عبر ثلاث موجات متتالية من العقوبات، لم يعد يقبل بغطاء إجرائي يُنتج البراءة المطلوبة سلفاً، ولا يقبل بديلاً عن الاعتراف الصريح الذي يبقى وحده — لا مزيداً من التحقيقات — المطلب الحقيقي على طاولة واشنطن. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل تعترف بورتسودان يوماً بما تعتبره واشنطن حقيقة محسومة، أم تستمر في اختراع أدوات جديدة للمماطلة، بينما يتصاعد حولها طوق العزلة الدولي أسبوعاً بعد أسبوع؟
#بالكيماوي_يابرهان ؟



