الأعمدة

المتاجرون بالدين مجرمون يحاربون العلمانية بالأكاذيب

بقلم/ إيهاب الأمين
إن العبارة التي تقول (لا يوجد مسلم حقيقي يرى خيراً في العلمانية أو الشيوعية) ليست مجرد رأي خاطئ، بل هي تجريد لملايين المسلمين من هويتهم وانتمائهم، وتجاهل لحقيقة أن الإسلام دين شامل، والشيوعية والعلمانية ليستا بالضرورة متناقضتين مع جوهره.
وأبدأ بنفسي: أنا مسلم أصلي الصلاة، أؤمن بالله الواحد الأحد، وبنبيه محمد ﷺ، وبكل ما جاء في القرآن الكريم، وفي نفس الوقت أنا مقتنع بمبادئ العدالة الاجتماعية ومحاربة الاستغلال، وأرى في العلمانية إطاراً يحمي ديني ولا يعتدي عليه. ولست وحدي، فالحزب الشيوعي السوداني الذي يجمع في صفوفه الآلاف من المسلمين الملتزمين هو خير دليل على أن هذا الاندماج ليس استثناءً، بل هو واقع يعيشه من يقرأ الدين بعقل منفتح وقلب نقي.
أولاً: الإسلام والشيوعية التقاء في العدالة، واختلاف في المجال حيث لا يوجد تعارض بين الإسلام والشيوعية في جوهرهما، بل هناك تقاطع عظيم في القيم التي جاء بها الدين الحنيف، الإسلام جاء ليقول: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ). وجاء ليحارب الفقر والظلم، ويأمر بالزكاة والتكافل، ويقول:(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ؛؛ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). والشيوعية تحارب نفس الظلم، استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، واحتكار الثروة، وتهميش الفقراء والمهمشين. وما يقوله البعض عن الشيوعية لا يلغي أصل الدعوة إلى العدالة التي تتطابق مع ما أمرنا به ديننا.
نحن نفرق تماماً بين ما هو عقيدة إلهية لا نقاش فيها، وبين ما هو تنظيم للحياة الاجتماعية والاقتصادية يسعى لتحقيق ما أمر به الله. إن الانتماء للشيوعية لا يعني أبداً أنني يتخلى الشخص عن إيمانه، بل يعني أنه يستخدم هذا الفكر لتحقيق العدالة التي هي جوهر رسالة الإسلام.
ثانياً/ العلمانية حماية للدين لا إقصاء له وكثيرون يخلطون بين العلمانية كفصل بين سلطة الدولة والمؤسسات الدينية، وبين رفض الدين أو إقصائه من الحياة. ونحن نرى أن العلمانية في جوهرها هي التي تحقق مبدأ القرآن الكريم (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ).
والعلمانية تمنع أي فئة من أن تستخدم اسم الدين لفرض رؤيتها الخاصة، أو لتحقيق مكاسب سياسية، أو لاضطهاد من يختلف معها. وهي تضمن للجميع حرية العبادة والالتزام بدينهم دون تدخل، وتضمن للجميع العدالة أمام القانون بلا تمييز على أساس الدين أو العرق أو الفكر. هذا ليس تعارضاً مع الإسلام، بل هو تطبيق لأسمى مبادئه في احترام الإرادة والحرية.
ثالثاً/ الحزب الشيوعي السوداني حزب يعيش هذا التوافق كل يوم، الغالبية العظمى من أعضائه مسلمون، يصلون ويصومون ويؤدون الفروض، ويرون في انتمائهم الحزبي وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي دعا إليها نبينا الكريم ﷺ عندما قال (ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة).
نحن لا نرى في انتمائنا خروجاً عن الدين، بل نرى فيه تطبيقاً عملياً لأمر الله بالسعي لإصلاح المجتمع (وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). إن الحكم المطلق بأن (لا خير في هذين التيارين) هو حكم يُغلق أبواب الفكر، ويُقصي الملايين من المسلمين الملتزمين، ويتجاهل حقيقة أن الإسلام دين مرن يستوعب كل ما يخدم العدالة والخير.
أنا مسلم أولاً وأخيراً، وأنادي بالعلمانية ثم الشيوعية لأن هذا الفكر يوصلنا لتحقيق ما أمرنا به الدين من عدالة ومساواة، ونحن نؤمن بأن العلمانية هي الإطار الذي يحفظ لنا ديننا ويحمي حرياتنا. ولست وحدي، فهذا هو صوت مئات الآلاف من صفوة أبناء شعبي في السودان والعالم الإسلامي، الذين يجمعون بين نقاء الإيمان وسعيهم الحثيث لعدالة الإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى