دكتور محمد عبد الله الريح
رباعيات سودانية لمولانا الشاعر الجيلي عبدالمنعم عباس ذات نفحة صوفية وهي تنحو الى التسامي الى مستويات شاهقة من الادراك والمعرفة.
Sublimation to a higher level of
consciousness.
والحس السليم المرهف عند المتصوفة دائما يحن الى الرجوع الى اصله في تلك النفخة الربانية الأولى ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) . والملائكة لا يسجدون للطين ولكن يسجدون لتلك النفخة من روح الله لأنه عندما قال لهم ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ) لم يقل لهم ( قعوا له ساجدين ) ولكنه قال لهم ذلك بعد أن قال لهم ( ونفخت فيه من روحي ) . والمواجد الصوفية السليمة كلها تعكس أشواقها للرجوع لذلك الاصل .
إن المستويات العالية من الادراك تتطلب من الفنان أن يسمو بموسيقاه وألحانه الى تلك الشرفات وهذا مما يصعب تلك المهمة وبجعل الفنان وردي يحتفظ بتلك الرباعيات زمنا لأنه ينشد الاتقان Perfection . وينشد أن يكتب تاريخا جديدا للابداع في الموسيقى السودانية مختلفا عما قبله .
رباعيات سودانية
( واحد الحُسْن )
( نسجًا على منوال عمر الخيام و حافظ الشيرازي )
الجيلي عبد المنعم عباس
ياواحدَ الحسن ِ
عَدَتكَ العوادي (1)
وجادَ واديكَ الحَيا .. بالغوادي (2)
لم يبقَ لي غيرُ الأسى والسُّهادِ
فارحمْ فؤادي ، أو بقايا فؤادي .
*********
مضى ربيعُ العمر ِ .. إلاّ قليلا
ولم يَعُدْ ظِلُّ الليالي .. ظليلا ،
ولم يَعُد في القلبِ ِ إلاّ زفَرَات ٍ حَرَّى ،
وهَمّاً ثقيلا .
*********
يا أيها المخبوءُ بين الجراح ِ
كيف تنامُ العينُ ، والوجدُ صاحِي ؟
تركتني بينَ عَذُولٍ ولاحي
وبعتني ، لكنْ كبيع ِ السَّماح ِ (3)
*********
دعْ عنكَ سفحَ الدمع ِ بين الطُلول ِ
ولوعةَ المحزون ِ يومَ الرحيل ِ
أنشُرْ جناحيكَ ، وحَلِّقْ بعيدًا
واسطعْ سُطوعَ النجم ِ قبلَ الأُ فول ِ (4)
***********
على الهوى عندي شهودٌ عُدولُ
سُهْدٌ ، وتبريحٌ ، وقلبٌ عليلُ
ونسمةُ الأسحارِ مني رسولٌ لحيّكمْ
فهلْ إليكمْ وصولُ ؟
***********
وجدتُ عَذْباً في هواكمْ عذابي ،
بأدمُعٍ ٍ حَرَّى وقلب ٍ مُذابِ ،
إن كانَ في هذا رضاكمْ ، فإني
رضيتُ منكم بجفوةِ الأحبابِ .
إليكَ أشكو غُربتي في دياري ،
ووحشةَ َ الروحِ ِ ، وبُعدَ المَزَارِ
فارحمْ على بابكَ طولَ انتظاري
وكُنْ عَذيري ، فقد أتاكَ اعتذاري .
***********
رأيتُ ما لا يُرَى بالعيون ِ
وخَصَّني بسرِّه ِ المكنونِ
فقلتُ : كوني يانفسُ ، أو لا تكوني
وافنيِ ، فَإنَّ العِشقَ فوقَ الظنون ِ . ***********
يا غالياً عزَّ على مُبتَغيهِ
ومالهُ بين َ الورى من شَبيهِ
قلبي صريحُ الحبِّ ، لا يَدَّعيهِ
فكيفَ تَصليه ِ ، وأنتَ فيه ِ ؟ (5)
***********
أعاد لي ذكرى حبيب ٍ مَضَى
البارقُ النجديُّ إذْ أومضا
فأوْرَى بقلبيَ نارَ الغَضَا (6)
وضاقَ عليَّ رحيبُ الفَضَا .
نَشَدْتُكَ العهدَ والسنينَ الخوالي
ومَوثِقاً ما غيّرتهُ الليالي
إلاّ رَفِقْتَ قليلاً بحالي
وأَطْلَقْتَني ، فلا عَليَّ ، ولا لي . الجيلي عبدالمنعم عباس أبوظبي – مارس 2009
(1) عَدتكَ : أي أخطأتك ولم تصبك ، والعوادي : جمع عادية وهي المصائب والشرور .
(2) الغوادي : جمع غادية ، وهي السحابة التي تستهل وتمطر عند الغداة ما بين الفجر وطلوع الشمس.
(3) اللاحي : اللائم . وبيع السِماح هو البيع بأقل من الثمن المستحق .
(4) عندما يكون النجم على وشك الأفول ، يحدث فيه انفجار هائل ، فيسطع النجم عندئذ ويكون
له بريق شديد ، ثم يخفت تدريجيا حتى يختفي تماما ويطلق على هذه الظاهرة الفلكية supernova
(5) صَلَى : أي ألقى في النار.
(6) البارق النجدي : المنسوب إلى نجد ، هومصطلح أدبي وصوفي يُرمَزُ به إلى إلالهامات الروحية والإشراقات والتجليات إلالهية . ويرمز به في الشعر إلى جمال المحبوبة وظهورها المفاجيء . وقد إستخدم هذا الرمز كثيرا في الشعر كقول القائل : رأى البرق نجديا فحنَّ إلى نجد ِ، وغادره حِلفُ الصبابة والوجدِ . واستخدمت عبارة ( ريح الصَّبا أو نسيم الصَّبا ) لقريب من هذا المعنى كقول الشاعر : متى يا صبا نجدٍ متى هِجْتِ من نجدِ ، فقد زادني مَسْراكِ وجداً على وجدِ .
الغضا : شجر ذو خشب صلب شديد الإشتعال ، وهو يكثر في منطقة نجد ، ولهذا يطلق على أهل نجد : أهل الغضا .
رحم الله الفنان محمد عثمان وردي فقد أسعد الملايين بفن راق غير مبتذل وارتفع بالذائقة الفنية والحس الجمالي ونسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويتقبله عنده في الفردوس الاعلى من الجنان مع الصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا .



