
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
طبعاً، لو استطلعنا رأي إنسان الشارع البسيط، أو أياً من القوى السياسية المساندة لمعسكر الحسم العسكري أو المعارضة له، من سياسيي الداخل أو الخارج، حول فكرة إطلاق حوار وطني سوداني ـ سوداني يكون من الداخل، فسيكون الجواب في الغالب مثالياً في إيجابيته المبدئية، لكن سرعان ما تتداعى أمامه جملة من التحفظات المشروعة والأسئلة الحائرة.
أولها: من يتحاور مع من؟
وثانيها: ما أهمية أجندة الحوار، إن لم تكن أولى أولوياته هي الاتفاق على صلاحية المتحاورين أنفسهم في إيقاف الحرب، بصورة مؤقتة عبر هدنة، أو بصورة دائمة تهيئ المناخ الخالي من دخان المعارك وضجيج آلياتها، وتزيح عن سماء البلاد خطر مسيّراتها الكفيفة؟
غير أن أعضاء اللجنة المقترحة لإدارة هذا المقترح، الذي لا يزال ـ حتى الآن ـ في طبّ المجهول، هم أكثر الناس غياباً عن تحديد الأهداف الحقيقية للحوار، في مبتداه ومنتهاه.
فقد ظلوا يكررون عبارات هلامية عن استقلالية اللجنة وعدم خضوعها لتحكم السلطة، المتمثلة حصرياً ـ كما يبدو ـ في الفريق البرهان شخصياً، بينما تدحض قراراته المتتالية هذه الاستقلالية المعلنة، ولا سيما قراراته المتعلقة بتعيين أعضاء جدد، ومن بينهم إضافة الفنانة ندى القلعة إلى عضوية لجنة الحوار.
بل إن احتجاج السيد التوم هجوم، أحد أبرز داعمي سلطة البرهان والحرب، والموجه للفريق شخصياً بسبب تجاوزه وعدم تضمينه عضوية لجنة الحوار، يمثل في حد ذاته دليلاً إضافياً على أن رجل المرحلة الحاكم لا يزال ممسكاً بإبرة الحوار، وأن خيوط أجندته حاضرة في تحديد مساره ومآلاته.
وكأن المطلوب في نهاية المطاف هو رتق ثقوب البزة المدنية ببعض الرتوش، حتى يظهر بها الرجل على منصة تنصيبه رئيساً للدولة بشرعية مفقودة، توفرها له تلك اللجنة متى ما فرغت من إعداد توصياتها التي تبدو، من شواهد المرحلة القادمة، وكأن بعضها معدّ سلفاً.
وهنا يبرز السؤال الأكبر:
هل نحن أمام حوار وطني حقيقي، أم أمام حوار لإنتاج شرعية مدنية لسلطة عسكرية؟
وعلى ذكر المدنية…
لو أن الفريق البرهان لديه قناعة حقيقية بأن حكومة الدكتور كامل إدريس تمثل سلطة كاملة الصلاحيات، لترك لها مهمة تعيين لجنة الحوار، والتنسيق معها حول أجندته وأولوياته ومخرجاته.
عندها، ربما كان الأمر سيكون مبلوعاً إلى حد ما؛ إذ ينصرف هو إلى تهيئة الأجواء عسكرياً للمضي في خطوات إيقاف الحرب، في حركة متوازية وتكاملية مع مسار الحوار، بما يضفي قدراً معقولاً من الصدقية على المسارين معاً.
وربما عندها أيضاً كانت نبرة التفاؤل بمبدأ الحوار ستكون أكثر حضوراً، وأبعد عن تحفظات الجانب الأوفر من الشارع العام المنكوب بالحرب، وعن شكوك القوى السياسية الرافضة لها والمتوجسة أصلاً من جدوى الحوار.
أما أن يكون السؤال هو:
من الذي يقرر تعيين أعضاء لجنة الحوار؟
ومن الذي يملك حق العفو عن المطلوبين أمام القضاء للمشاركة فيه، وبضمانات مكتوبة منه؟
ومن الذي ينتظر توصيات اللجنة التي قام هو بتعيينها في نهاية المطاف، ليأخذ منها ما يروق له، ويركن ما لا يريده إلى أضابير الإهمال؟
فهنا يصبح الحوار نفسه بحاجة إلى حوار!
فالحديث عن حوار وطني لا يستقيم بمجرد جمع أشخاص حول طاولة، وإنما يستمد قيمته من استقلال إرادته، وتوازن أطرافه، ووضوح أجندته، وقدرته على إنتاج مخرج وطني لا شرعية مفصلة على مقاس سلطة بعينها.
والسؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه:
إذا كان الحوار لا يملك قرار وقف الحرب، ولا يملك تحديد أطرافها، ولا يملك ضمان تنفيذ مخرجاته… فما الذي يملك أن ينتجه سوى المزيد من الكلام؟
والله من وراء القصد، وهو المستعان.



